قراءة تفنيدية لبيان الحزب الشيوعي حول مواثيق القاهرة ونيروبي (3/3)

Wait 5 sec.

بقلم: عاطف عبداللهحين تتحول المبدئية إلى مأزق تنظيميلا يمكن تفكيك موقف الحزب الشيوعي السوداني من مواثيق القاهرة ونيروبي بمعزل عن أزمته الداخلية العميقة والممتدة؛ وهي أزمة لم تنشأ مع هذه المواثيق، بل سبقتها بسنوات، وراكمت آثارها إلى الحد الذي بات يؤثر مباشرة في قدرة الحزب على الفعل السياسي المؤثر. فالحزب، الذي شكّل تاريخياً أحد الأعمدة الفكرية والتنظيمية للحركة الوطنية والديمقراطية في السودان، يواجه اليوم مأزقاً مركباً يتمثل في اتساع الفجوة بين خطابه النظري الصارم، وقدرته العملية على الاشتباك الخلاق مع واقع سياسي متحول، بالغ التعقيد، وقاسٍ في اشتراطاته.تتجلى هذه الأزمة في مركزية القرار، وضيق دوائر صناعته، وتغليب منطق الانضباط التنظيمي الصارم على المرونة السياسية التي تفرضها لحظات التحول الكبرى. وقد انعكس ذلك عملياً في كبح مبادرات كوادر الحزب، لا سيما في الخارج، ومنعهم من المشاركة في منابر سياسية وفكرية مؤثرة، حتى عندما تكون المشاركة ممكنة بصفات شخصية أو مهنية لا تنظيمية. وبهذا المعنى، لم تعد “المبدئية” أداة لتعزيز الحضور السياسي، بل تحولت – في كثير من الحالات – إلى قيدٍ يعطّل الفعل، ويقلّص مساحات التأثير.الانقسام الصامت داخل الحزبورغم الصمت العلني، فإن داخل الحزب أسئلة مؤجلة وتيارات غير مُعلنة: أسئلة حول جدوى المقاطعة المستمرة، وكلفة الغياب المتكرر عن مواقع التأثير، وحول ما إذا كان التمسك بما يُسمّى “نقاء الخط” يبرّر عملياً خسارة القدرة على التأثير في مجرى الأحداث الوطنية الكبرى. هذا الانقسام الصامت لا يضعف الحزب تنظيمياً فحسب، بل يربك حلفاءه الطبيعيين داخل القوى المدنية، ويُرسّخ صورة حزب يمتلك تشخيصاً عميقاً للأزمة، لكنه يتردد – أو يعجز – عن خوض معركة الحل من داخل تعقيداتها الواقعية.وبذلك، يتحول الحزب من فاعل مركزي في الصراع السياسي إلى شاهد ناقد عليه؛ وهو موقع قد يمنح راحة أخلاقية مؤقتة، لكنه يفرض ثمناً سياسياً باهظاً، لا يدفعه الحزب وحده، بل تدفعه الحركة المدنية بأكملها.أثر الأزمة على المشهد المدني الأوسعأزمة الحزب الشيوعي ليست شأناً تنظيمياً داخلياً صرفاً، بل لها انعكاسات مباشرة على مجمل المشهد المدني. فغياب حزب بهذه الخبرة والتاريخ عن موائد النقاش والتفاوض وصياغة المبادرات يفتح المجال، عملياً، لقوى أقل تجذراً في الثورة، وأضعف التزاماً بالتحول الديمقراطي، لتملأ الفراغ وتؤثر في اتجاهات العملية السياسية.وبدل أن يكون الحزب رافعة نقدية فاعلة داخل التحالفات المدنية، اختار – بفعل منهجه – موقع المراقب الصارم من الخارج. وهو موقع، مهما بدا متماسكاً أخلاقياً، يحدّ من القدرة على تصحيح المسار، ويجعل النقد، في نظر كثيرين، أقرب إلى تسجيل المواقف منه إلى بناء البدائل. وهو نقد، في جوهره، لا يسهم في تطوير التحالفات المدنية ولا في تعزيز قدرتها على مواجهة الحرب، بل يصب – موضوعياً، وإن لم يكن قصداً – في مصلحة القوى المناوئة لثورة ديسمبر، ودعاة استمرار الحرب وإعادة إنتاج الاستبداد.لماذا تحرص سلطة بورتسودان على تعميق الفجوة بين الحزب وبقية القوى المدنية؟ليس من قبيل المصادفة أن تحرص سلطات الأمر الواقع في بورتسودان، في بعض الأحيان، على إظهار قدر من “الود” تجاه قيادة الحزب، أو التغني بوطنيتها، في وقتٍ تُلاحق فيه قيادات معظم القوى المدنية الأخرى جنائياً داخل البلاد وخارجها. ورغم أن قواعد الحزب وكوادره الناشطة قاعدياً لم تسلم من القمع والملاحقة، فإن هذا الهامش النسبي الذي تتحرك فيه بعض قياداته لا ينبغي أن يُساء فهمه أو الركون إليه.فالأنظمة الشمولية لا تمنح الهوامش اعتباطاً، بل تستخدمها كأدوات تفكيك وعزل، لإضعاف الخصوم، وشق صفوفهم، وتعميق المسافات بينهم وبين حلفائهم الطبيعيين. وإذا ما أُتيح لهذا النظام أن يعيد إنتاج نفسه، فلن يعود أقل شراسة مما كان عليه في عقوده الثلاثة البائدة، بل أكثر عنفاً وانتقاماً. وحينها، سيكون الحزب الشيوعي في صدارة مستهدفيه، لأن هذا النظام لن ينسى الدور التاريخي الذي لعبه الحزب في تعبئة الشارع، والمساهمة في إسقاط عرشه خلال ثورة ديسمبر 2019.خاتمة ختاميةإن الخروج من أزمة السودان الراهنة لا يتطلب فقط مواثيق أكثر إحكاماً أو مبادرات أوسع نطاقاً، بل يحتاج كذلك إلى قوى سياسية قادرة على مراجعة ذاتها بنفس الجدية التي تنتقد بها الآخرين. والحزب الشيوعي السوداني، بما يملكه من تاريخ نضالي ورصيد فكري معتبر، مؤهل لأن يكون في قلب هذا الجهد لا على هامشه، إذا ما انتقل من موقع التحفظ الدائم إلى موقع الاشتباك السياسي الخلاق.فالثورات لا تُصان بنقاء الشعارات وحده، بل بقدرة قواها الحية على التعلّم من التجربة، والتكيّف مع شروط الواقع، وخوض المعركة السياسية حيثما كانت، لا الاكتفاء بمراقبتها من بعيد.The post قراءة تفنيدية لبيان الحزب الشيوعي حول مواثيق القاهرة ونيروبي (3/3) appeared first on صحيفة مداميك.