يسرا حمزةكُنا نركضُ على العُشب عندما احرقوا المصنع، وبدا كل شيء بالأبيض والأسود، وكنت اراهم يتحركون ببطءٍ وثقة دون خوف، وكان الشرطي يفلتُ ايادينا ويمشي نحوهم، وبعد ان اختفت الحديقة خلف الضباب وجدتُ نفسي اراقبُ الأرض والأشجار ونهر لا اعرفه، واتذكرها في طفولتي كوحشٍ قصير ومخيف، وكانت تطاردُ الأطفال وترعبهم بصوتها العالي، وفي الليل حدقت بي وقالت لا اهتمُ بما تفعلين او اين ستنامين، ورغم انني كنتُ في بيتها في الصيف اشعرُ بالقلق، وقابلني الرجلُ في الفناء امام الباب وامرني بإحضار المفتاح ولم يخبرني من اين، وركضتُ الى ابعدِ مكان واختبأت، وفي الممر الطويل كنتُ ارى قططاّ لا يراها احد، وفي حلم قديم رأيتُ جدتي تشربُ عصيراً احمر اللون، احياناً انسى صوتها ورائحتها، وبعد الحرب لم يبقى لأشيائها اثر ولماذا قد يسرق احدهم صورة جدة شخص اخر؟ وفي نهاية الظهيرة كنتُ انظرُ الى البحر البعيد وخزاناتِ المياه والحَمَامِ الأسود والشمس، وتذكرتُ مكاناً قديماً كنتُ اراقبهُ من نافذة المدرسة، واتذكرُ ريان في الممر الأبيض الطويل الذي بلا نوافذ، كانت ملابسنا تتشبعُ برائحة الكلورفورم والخل، وبعد سنواتٍ طويلة كنتُ في غرفة المواد الكيميائية اراقبُ ميرغني يعدُ محلول حمض الكبريتيك الحار ويضعُ القارورة الزجاجية تحت الصنبور لتبرد، وكان يضحكُ لأنني ترددتُ ولم ألمس الزجاج لأشعر بحرارة الحمض، ولم يهدأ قلقي الا نهاية تلك الأيام، عندما كُنا نتحدثُ عن زيارة النهر ولم نفعل، واتذكرُ يوم احتجزنا المطر لخمس ساعات في المواصلات وكنتُ أحدقُ بالنافذة اكثر من تبادلي الاحاديث مع تبيان، واعودُ للشعور القاتم بحلمِ الأمس عندما كنتُ أربتُ على رأسِ ارنبٍ ابيض قريباً من تلٍ اخضرٍ بالعُشب، وكنتُ أتخيلُ الدخان الأسود يتصاعدُ من المدينة التي تركتها، ولم افكر في الاخرين الذين ركضوا معي في الحديقة ولم افكر بالأبواب الصغيرة المغلقة، وفي الليل عندما أنام اعلمُ بأنني أعودُ الى الخرطوم والى الممراتِ البيضاء لكلية العلوم، واتجولُ وحدي في المكان الفارغ، واراقبُ الخفافيش النائمة بقلقٍ صامت دون ان اخبر أحد، واهبطُ السلالم الاسمنتية الواسعة الى الطابق السفلي، وامشي وامرُ بغرفٍ مظلمة وزاويا يتراكمُ بها اثاثٌ قديم ومحطم، ولأنني مرضتُ بعد اول محاضرة في اول عام دراسي عدتُ بعد عدة أسابيع مع فتاةٍ أخرى، وقالت لي يجب ان نخدع الرجل ونخبرهُ بأننا انتهينا حتى لا نعود غداً مرة أخرى، ولا اتذكرُ اسمها، واعلمُ بأنني اجيئُ متأخرة وفي نهاية الأشياء، واحياناً عندما اغمض عيناي في الليل ولا انام اعود الى بيتنا القديم واجلسُ امام التلفاز على الأرض لأشاهد مايا في عالم الاحلام ولحن الحياة واسقطُ مجدداً من النافذة وتتورم يدي وانزلقُ من حافة السرير واجرح ساقي ولا اصرخُ من الخوف، ووبختني جدتي والضمادةُ تغطي عينها، واتذكرها دائماً كبيرةً في السن وبظهرٍ محني، واتذكرُ يوم زارتني توسل ولحقتها زوجة عمها التي كانت تخاف من الاخرين، وجرتها من يدها وخرجت سريعاّ من البيت وكنا مندهشين، واتذكرُ موت المعلمة الصارمة رشيدة، وكنتُ اخافُ منها، ويوم ماتت صار الهواءُ ثقيلاً في الفصول والفناء وبيتنا لوقتٍ طويل ومن ثم نسيها الجميع، ولم اكن افهم الموت جيداً، وما زلتُ لا افهمه جيداً، ولم اذهب لبيتِ العزاء مع امي واختي وكنتُ اشاهدُ التلفاز في الليل واتذكرُ عودتهم بوجوهٍ كئيبة، ولم نكُن نملكُ اشجاراً هناك، وكانت الجدرانُ رمادية والغرف زرقاء، والمطبخُ دافئاً ونوافذه تطلُ على الشارع وتظلُ مفتوحة طوال الوقت ونغلقها فقط عندما نسافر جميعاً، ويوم امس عدتُ الى الشوارع المنحنية لحي ناصر وكنتُ امشي واحدق بالبيوت والابواب والأشجار، وبينما كنتُ التقطُ صورةً لشجرةٍ كبيرة خرجت امرأة من بيتهم ووقفت بجانبي وظلت تحدق بي بغضب، وعيناها جعلتني استيقظُ من النوم برأسٍ ثقيل، لقد رأيتُ مدينة مدني في احلامي اكثر من رأيتها في الواقع، ودائماً يكون بها اشخاصٌ قليلون وغريبو الاطوار.The post [التمدد على العشب] appeared first on صحيفة مداميك.