تصنيف الإخوان المسلمين: قرار أمريكي مفصلي وتداعياته على الإسلام السياسي في المنطقة

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةيمثّل إعلان الولايات المتحدة تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن كتنظيمات «إرهابية عالمية »، وتصنيف التنظيم اللبناني المعروف باسم «الجماعة الإسلامية» كمنظمة إرهابية أجنبية، تحوّلًا نوعيًا في مقاربة واشنطن للإسلام السياسي، ليس فقط من زاوية أمنية تقليدية، بل من حيث إعادة تعريف هذا التيار بوصفه شبكة عابرة للحدود، متعددة الواجهات، متشابكة التمويل، ومزدوجة الخطاب، تجمع بين العمل الدعوي والسياسي، وتحتفظ بعلاقات عضوية مع تنظيمات مسلحة مصنفة إرهابية، وعلى رأسها حركة حماس.هذا القرار لا يقتصر في دلالاته على الفروع التي شملها التصنيف مباشرة، بل يؤسس لسابقة قانونية وسياسية قابلة للتوسيع، ويعبّر بوضوح عن نهاية الرهان الأمريكي والغربي عمومًا على ما كان يُسمّى بـ«الإسلام السياسي المعتدل». فواشنطن، التي تعاملت لعقود مع جماعة الإخوان المسلمين بوصفها فاعلًا سياسيًا يمكن احتواؤه أو توظيفه، انتقلت اليوم إلى تفكيك هذه السردية، مستندةً إلى الوقائع لا الخطاب، وإلى البنية التنظيمية والمالية لا الشعارات العلنية. إدخال وزارة الخزانة الأمريكية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) في قلب هذا الملف يؤكد أن المواجهة الأساسية لم تعد أمنية فقط، بل مالية واقتصادية، تستهدف تجفيف منابع التمويل، وتعطيل الشبكات العابرة للدول، وملاحقة الشركات الواجهة والأفراد المرتبطين بها.في هذا السياق، تصبح حركات الإخوان المسلمين في الدول العربية التي لم تحظرها رسميًا أمام اختبار بالغ الصعوبة. ففي الجزائر، تجد حركة مجتمع السلم نفسها أمام ضغط داخلي نابع من حساسية الدولة الجزائرية تجاه التنظيمات ذات الارتباطات الخارجية، وضغط خارجي يتمثل في احتمالات التدقيق الأمريكي في أي علاقات مالية أو تنظيمية عابرة للحدود. ومن المرجح أن يدفعها ذلك إلى تقليص نشاطها الإقليمي، ومحاولة إعادة تقديم نفسها كحركة وطنية محلية مفصولة شكليًا عن التنظيم الدولي، في مسعى دفاعي لتفادي العزلة.أما في تونس، فإن حركة النهضة، التي تعيش أصلًا تراجعًا سياسيًا حادا ستتأثر بالقرار على نحو مضاعف، إذ يهدد بتجفيف ما تبقى من قنوات الدعم الخارجي، ويعزز عزلتها الدولية، ويمنح خصومها في الداخل سندًا إضافيًا لتوصيفها كجزء من أزمة الدولة الوطنية لا كأحد حلولها. كما يعزز القرار، بشكل غير مباشر، السردية التي يتبناها الرئيس قيس سعيّد حول مخاطر الإسلام السياسي على السيادة الوطنية ووحدة الدولة.غير أن الحالة السودانية تظل الأكثر تعقيدًا وخطورة في هذا المشهد. فالسودان لا يمثل مجرد ساحة من ساحات حضور الإخوان، بل شكّل لعقود العقدة المركزية في تاريخهم الإقليمي. فقد حكمت الحركة الإسلامية البلاد لما يقارب ثلاثة عقود، وتحولت خلال تلك الفترة إلى الراعي الإقليمي الأول لشبكات الإسلام السياسي، ومركزًا لتجميع وتصدير الكوادر، ومنصة للتنسيق بين حركات وتنظيمات متباينة. كما لعب النظام الإخواني في السودان دور الوسيط بين إيران وحركة حماس، وسهّل مرور السلاح عبر ميناء بورتسودان إلى داخل غزة، فضلًا عن دعمه المبكر لتنظيم القاعدة في تسعينيات القرن الماضي، واستضافته لأسامة بن لادن وعدد من رموز الجهاد العالمي.بناءً على ذلك، فإن أي توسع مستقبلي في التصنيف الأمريكي قد يفتح ملفات شديدة الحساسية تتعلق بأصول الإخوان السودانيين في الخارج، واستثماراتهم وشركاتهم الواجهة، وشبكات المصالح المالية والسياسية التي ما زالت تعمل، بصورة مباشرة أو مقنّعة، داخل السودان وخارجه. كما يضع هذا القرار الإسلام السياسي السوداني أمام مأزق فكري وسياسي عميق، خاصة في ظل إصراره المستمر، حتى بعد اندلاع الحرب وانهيار الدولة، على طرح شعارات أسلمة القوانين، وفرض «الدستور الإسلامي»، والمزايدة باسم الدين، وكأن التجربة الممتدة لثلاثين عامًا، بما حملته من استبداد وفساد وحروب وعزلة دولية، لم تكن كافية لاستخلاص أي دروس.إن أخطر ما يكشفه هذا القرار، في السياق السوداني تحديدًا، هو انفصال خطاب الإسلام السياسي عن الواقع، واستمراره في توظيف الدين كأداة للهيمنة السياسية، لا كمنظومة قيم أخلاقية جامعة. ففي لحظة تاريخية يحتاج فيها السودان إلى عقد اجتماعي جديد، ودولة مدنية عادلة، وخطاب يوحّد ولا يقصي، لا يزال هذا التيار يصر على إعادة إنتاج ذات الأسئلة الإقصائية حول هوية الدولة، واحتكار الحديث باسم الإسلام، واتهام الخصوم بالكفر أو العمالة، غير مدرك أن العالم من حوله يتجه في الاتجاه المعاكس تمامًا.على الصعيد السياسي العام، سيؤدي القرار الأمريكي إلى تآكل ما تبقى من شرعية دولية لحركات الإسلام السياسي ذات الخلفية الإخوانية، وسيجعل أي حزب أو تنظيم مرتبط بها يُصنّف ضمن «الكيانات عالية المخاطر»، الأمر الذي سيدفع قوى سياسية عديدة إلى إعادة النظر في تحالفاتها التكتيكية معها. كما يُرجّح أن يسرّع الانقسامات داخل هذه الحركات نفسها، بين تيار براغماتي يسعى إلى فك الارتباط التنظيمي والفكري مع الجماعة الأم، وتيار عقائدي متمسك بالبنية العالمية وبخطاب المظلومية والمواجهة.اقتصاديًا، يفتح القرار الباب واسعًا أمام تجميد الأصول والاستثمارات المرتبطة بهذه الحركات، متى ما ثبت الارتباط التنظيمي أو المالي بالفروع المصنفة، أو تقديم دعم مادي مباشر أو غير مباشر لتنظيمات إرهابية. وتشمل هذه الإجراءات تجميد الحسابات، وحظر التعامل بالدولار، وملاحقة الشركات الواجهة، مع تفاوت متوقع في مستوى تعاون الدول المعنية؛ إذ يُرجّح أن تتعاون الدول الحليفة لواشنطن بشكل واسع، بينما ستتخذ الدول الهشة أو المأزومة مواقف انتقائية، بحسب حساباتها الداخلية. وفي السودان، يظل مستوى التعاون مرهونًا بمن يملك السلطة الفعلية، وهو ما يزيد المشهد تعقيدًا.ولا يمكن قراءة تداعيات القرار الأمريكي بمعزل عن موقفي تركيا وقطر، بوصفهما الدولتين الأكثر ارتباطًا، بدرجات متفاوتة، باحتضان أو دعم حركات الإسلام السياسي خلال العقدين الماضيين. فقد تعاملت تركيا، خاصة في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، مع جماعة الإخوان المسلمين من منظور أيديولوجي–سياسي، باعتبارهم امتدادًا فكريًا وتجربة حكم محتملة تعكس نموذج حزب العدالة والتنمية خارج الحدود. وقد وفّرت أنقرة، لا سيما بعد عام 2013، ملاذًا سياسيًا وإعلاميًا لعدد من قيادات الإخوان، وسمحت بنشاط علني نسبيًا، ما جعلها في مواجهة مباشرة مع دول عربية كبرى، وربط صورتها الإقليمية والدولية بمشروع الإسلام السياسي العابر للحدود. غير أن الضغوط الاقتصادية، وحاجتها لتطبيع علاقاتها مع مصر ودول الخليج، والتزاماتها كعضو في حلف الناتو، دفعتها في السنوات الأخيرة إلى تقليص هذا الهامش، وفرض قيود على النشاط الإعلامي والسياسي للإخوان، في مؤشر واضح على انتقال تدريجي من الالتزام الأيديولوجي إلى البراغماتية السياسية.في المقابل، اتسم الموقف القطري بقدر أكبر من البراغماتية الوظيفية. فقد تعاملت الدوحة مع حركات الإسلام السياسي بوصفها أدوات نفوذ إقليمي ووسائط تأثير ناعمة، مستخدمة الدعم الإعلامي، والتمويل غير المباشر، والوساطة السياسية، مع الحرص على عدم القطيعة مع الولايات المتحدة، واستضافة أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة. ومع ذلك، فإن القرار الأمريكي الأخير يضيّق الخناق على النموذجين معًا، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن توظيف الإسلام السياسي كأداة نفوذ إقليمي بات عبئًا استراتيجيًا، وأن كلفة الاستمرار فيه قد تفوق المكاسب، سواء بالنسبة لأنقرة أو للدوحة.أما على المستوى الدولي، فلا يبدو أن روسيا أو الصين تمثلان بديلًا استراتيجيًا أو ملاذًا آمنًا لحركات الإخوان المسلمين. فموسكو تنظر إلى هذه الجماعات بعين الريبة، باعتبارها تهديدًا أمنيًا محتملًا في ضوء تجربتها مع الحركات الجهادية، وقد تستخدم بعض قنوات التواصل معها تكتيكيًا دون أن تمنحها شرعية سياسية. في المقابل، تتبنى الصين موقفًا مبدئيًا صارمًا ضد أي تنظيم ديني عابر للحدود يمتلك قدرة تعبئة جماهيرية، ولا توجد أي مؤشرات على استعدادها للتعاون مع الإخوان، بل على العكس، يسود نفور أمني واستخباراتي واضح.في المحصلة، لا يعني القرار الأمريكي نهاية فورية لجماعة الإخوان المسلمين، لكنه يدشّن مرحلة الحصار الشامل، وينقلها من خانة «الفاعل السياسي المختلف عليه» إلى خانة «المخاطر العابرة للحدود». وهو قرار يضع الإسلام السياسي برمّته أمام سؤال وجودي لا يمكن تأجيله: إما مراجعة جذرية للفكر والبنية والتنظيم، والانفصال الصادق عن العنف وتسييس الدين، أو الانكفاء والانغلاق، والدخول في مسار أفول تاريخي. وفي كل الأحوال، فإن المنطقة، والسودان في قلبها، تدخل مرحلة ما بعد الإخوان بوصفهم قوة إقليمية منظمة، وهو تحوّل ستكون له آثار عميقة على مستقبل الدولة الوطنية ومسارات الانتقال السياسي.المقال القادم:ارتدادات القرار الأمريكي على الإسلام السياسي في السودانThe post تصنيف الإخوان المسلمين: قرار أمريكي مفصلي وتداعياته على الإسلام السياسي في المنطقة appeared first on صحيفة مداميك.