خالد عمر يوسفحينما جاء نظام الإخوان المسلمين إلى السلطة في السودان عبر انقلاب عسكري، كنت طفلاً في العاشرة من عمري. وحينما سقط، كنت قد أصبحت رجلاً أشيب الرأس. لذلك، من المثير للسخرية أن يحاول شخص من خارج السودان، لم يعش هذه التجربة، أن يلقنني دروساً حول ما إذا كانت الحركة الإسلامية السودانية تنظيماً إرهابياً أم لا.يعلم السيد كاميرون هدسون جيداً سجل هذه الحركة. لكنه، بصفته أحد الداعمين للسلطة العسكرية في السودان، يختار التستر على جرائمها وتضليل الرأي العام العالمي عمداً، عبر تعمية الحقائق المتعلقة بحرب السودان. يعلم هدسون أن الجهة التي استولت على السلطة بانقلاب عسكري، واخترقت الجيش، وفتحت بيوت الأشباح لتعذيب المعارضين، واستهدفت النساء والأقليات الدينية، وارتكبت أعظم جريمتين في حق السودان — الإبادة الجماعية في دارفور عام 2003، وتقسيم البلاد عام 2011 — هي الحركة الإسلامية السودانية، وليس أي جهة أخرى.ويعلم أيضاً أن هذه الحركة هددت السلم والأمن الدوليين، بل واستهدفت الولايات المتحدة نفسها، عبر استضافة إرهابيين مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وجماعات الجهاد الإسلامي. ونتيجة لذلك، صنّفت الولايات المتحدة السودان دولة راعية للإرهاب عام 1993. وقد أتاح ذلك لاحقاً لتنظيم القاعدة التخطيط وتنفيذ هجمات كبرى، بما في ذلك تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام 1998، والهجوم على المدمرة USS Cole عام 2000، وصولاً إلى هجمات 11 سبتمبر. ولم ينتهِ هذا السلوك بل استمر حتى الآن، ففي عام 2023 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على القيادي الإسلامي البارز عبدالباسط حمزة بتهمة تمويل الإرهاب.لقد ارتكبت قوات الدعم السريع جرائم مروعة تستحق الإدانة وأقسى العقوبات على ما ألحقته بالشعب السوداني. غير أن السيد هدسون يحاول إخفاء حقيقة أن الحركة الإسلامية نفسها هي التي أنشأت قوات الدعم السريع وسلّحتها، ودرّبتها، وشرّعت وجودها بقانون، ومنحتها المجال لبناء نفوذ مالي وعلاقات خارجية. والحقيقة أنها لم تتوقف عند ذلك، فقد أنشأت جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة قبل الدعم السريع وبعده. واليوم نرى سلطة بورتسودان وقد أنشأت عشرات المليشيات في دارفور وشرق ووسط وشمال السودان. يريد هدسون إقناعنا بأن المشكلة الكبرى هي المنتَج (الدعم السريع)، وليس المصنع نفسه وخط الإنتاج الرئيسي (الحركة الإسلامية). فهل هناك إهانة أكبر للعقل والمنطق من ذلك؟وفي رده، يحذر هدسون من أن فرض عقوبات على الإسلاميين ستكون له عواقب وخيمة على المواطنين العاديين، مشيراً إلى احتمال الإضرار بالمساعدات الإنسانية ومؤسسات الدولة. وبذلك، يؤكد دون أن يدري ما ظللنا نقوله منذ زمن: أن هذه الحركة الإرهابية قد اختطفت الدولة السودانية وحوّلت الغذاء والمساعدات إلى سلاح. غير أن الحل الذي يقدمه هدسون هو في جوهره الاستسلام للإرهاب، والامتناع عن مواجهته خوفاً من الأذى الذي قد يسببه. وله الشكر على هذا الاعتراف لأنه يعزز حقيقة سعى آخرون طويلاً إلى طمسها، عبر الادعاء بأن جماعة الإخوان المسلمين لا نفوذ لها داخل الجيش السوداني. نحن نرفض هذا المنطق جملةً وتفصيلاً. فالإرهاب لا يُهزم بالمساومة أو التعايش معه، بل بالمواجهة والمقاومة. لقد عاش الشعب السوداني لعقود تحت حكم العسكر والإسلاميين، ولن يقبل مواعظ من أحد يريده أن يبقى أسيراً في سجونهم لعقود قادمة.يطرح هدسون مقاربة مضللة تصوّر خيارات السودانيين وكأنها محصورة بين العيش تحت حكم الإخوان المسلمين أو تحت سيطرة الدعم السريع — وهو تشويه متعمّد وفاضح للحقيقة. نحن لا نرى الأمر كذلك، ونطرح موقفاً واضحاً لا لبس فيه. نؤمن بأن مستقبل السودان يجب أن يكون مدنياً ديمقراطياً، خالياً من هيمنة العسكر — سواء الجيش أو الدعم السريع — وخالياً من سيطرة الجماعات المتطرفة مثل الحركة الإسلامية. هذه قضية كرّسنا لها حياتنا بأكملها. لم تكسرنا السجون ولا الملاحقات على يد العسكر أو الإسلاميين، ولن يقنعنا أحد بالاستسلام ابداً، الآن أو في المستقبل.—————————-* خالد عمر يوسف – نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني*وقيادي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”The post خالد عمر يوسف: هدسون يطرح مقاربة مضللة تصوّر خيارات السودانيين تحت حكم الإخوان المسلمين أو سيطرة الدعم السريع appeared first on صحيفة مداميك.