حمّور زيادةتقف الحرب السودانية عند مفترق طرق بعد أن أكملت عامها الثالث من الدم، إذ وضع “التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام 2026” البلاد في صدارة قائمة أشدّ أزمات الجوع في العالم. وبحسب منظّمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، يعاني 4.5 ملايين طفل من سوء التغذية الحادّ. ومع تردّي الوضع الإنساني، تبدو حالة التطبيع مع الحرب مفيدةً لطرفي الصراع، خشيةً من عواقب تجاوز المفترق واختيار أحد الطريقين.الهدنة الإنسانية التي يضغط المجتمع الدولي للوصول إليها ستقتضي التعامل (والتنسيق) مع السلطات العسكرية في الخرطوم والحكومة الموازية التي أنشأتها المليشيا في نيالا. هذا واقع عملي ستُجبر عليه المنظّمات العاملة من دون فرصة للاختيار؛ فإمّا التسجيل لدى حكومة قوات الدعم السريع (الموازية) أو يُترك ملايين المواطنين ليأكلوا ورق الشجر حتى يهلكوا. هذا خيار يصعب التفكير فيه، لكنّه يبدو خياراً مناسباً للمليشيا التي تعتبر المواطنين رهائنَ مقابل الاعتراف بسلطتها. وهو قريب ممّا فعله قائد الجيش عندما رفض السماح بعبور قوافل المساعدات إلى مناطق سيطرة خصمه، إلا بعد أن وجد اعترافاً أميركياً بمنصبه رئيساً لمجلس السيادة الانتقالي، وبالجيش سلطة سيادية في البلاد، وهو تعديل للوضع الذي خاض معه الجيش السوداني العملية السياسية قبل الحرب ثم مفاوضات جدّة بعدها. وما إن حصل الفريق أوّل عبد الفتاح البرهان على الاعتراف، حتى تراجع عن تهديده العلني بمنع المساعدات. لكن عادت تعهّدات مؤتمر برلين لتهدّد هذا الاعتراف الدولي باحتكار الشرعية، إذ يجد المجتمع الدولي، الرافض للاعتراف بالسلطة المغتصبة التي أنشأتها المليشيا، نفسه أمام واقع يفرض اعترافاً ولو بالحدّ الأدنى. وهو شيء بقدر ما يزعج الخرطوم، فإنّها ستضطر إلى التعامل معه بعيداً من التهديدات التي أطلقتها سفيرة السودان في ألمانيا (اتخاذ “إجراءات” ضدّ الدول المشاركة في المؤتمر المعني بجمع التمويل الإنساني للمواطنين). فبعكس لغة التهديد، يدعو رئيس الوزراء المعيَّن كامل إدريس المستثمرين في العالم إلى الاستفادة من ثروات السودان، ويسعى وزير الثروة الحيوانية إلى الاستفادة من تداعيات إغلاق مضيق هرمز بلفت النظر إلى اللحوم السودانية، التي يرى إمكانية نقلها من دون المرور بتعقيدات الحرب على إيران. فهناك جانب في الخرطوم يعرف أنّ البلاد لا يمكنها الاستمرار من دون عون خارجي، بعد أن أكلت الحرب كلّ مخضرّ فيها. لكنّ هذه الدعوات كلّها تتعلّق بالاستثمار المستقبلي، أمّا جوعى اليوم فلا يبدو أنّهم يشغلون بال أحد، إلا المساعدات التي ترسلها دول الخليج العربي للتوزيع في الخرطوم (وغيرها) على المواطنين، وبرامج الدعم الدولية التي تأثَّر أغلبها بسياسات الانسحاب الترامبية والحرب الإيرانية. وبينما ينتظر الجوعى وصول المساعدات الإنسانية، تحقّق السلطات الأميركية مع مواطنة إيرانية توسّطت في صفقة سلاح بين طهران والخرطوم، كان نصيب السيّدة منها 7 ملايين دولار عمولةً. ولا ينقطع مدد السلاح عن نيالا، لكنّ المواطنين هناك، على بعد كيلومترات من مقرّ حكومة المليشيا المرتجلة، يأكلون التراب وعلف الدواب.قبول الخرطوم بعملية إنسانية واسعة بالتنسيق مع حكومة “الدعم السريع” يبدو خياراً خطراً على السلطة. فجزء من قوّة تحالف المليشيات المسلّحة المناصرة للجيش هي حركات الكفاح المسلّح الدارفورية، التي بينها وبين “الدعم السريع” عداء تاريخي. فإن قبل مجلس السيادة التنسيق المشترك مع سلطة “الدعم السريع”، فإنّ ذلك يترك من بقي من حواضن الحركات وأراضيها التاريخية تحت رحمة الشرعية الجديدة للمليشيا. وهو أمر لا تقبل به حركات دارفور مهما كان الثمن. لكنّ ارتفاع أصوات فصل شمالي السودان وشرقه عن غربه تتعالى مطالبةً بترك دارفور وشأنها. حتى إنّ خطابات ارتفعت تُطالب حركات الكفاح الدارفورية بالخروج من مناطق سيطرة الجيش وتحرير “أرضهم”، من دون مراعاة أنّ هذه مهمّة الجيش التي يؤكّد، كلّ فترة، عزمه عليها، وأنه لا يقبل بالسلام إلا بعد النصر. وهو ادّعاء لا معنى له، إذ يعني أنّ القتال ماضٍ إلى النهاية بلا فرصة سلام أو توافق إلا بالخضوع الكامل. وهو ذاته ما كان يأمل فيه قائد “الدعم السريع”، محمد حمدان دقلو، بعد أن أعلن اقتراب انتصاره في الخرطوم وإخضاع الجيش، لكنّ حلمه تقلّص إلى الحصول على سلطة مستقلّة حبيسةً بين دولتي تشاد والسودان. وهو يراهن على ذلك بأرواح الملايين في إقليم دارفور.عند هذا الرهان، تقف الحرب السودانية تنتظر، إمّا أن يقبل الطرفان بدخول المساعدات، فيترسّخ انفصال البلاد، أو يتمسّكا برفض التعاون، فيحصد الموت مَن نجا مصادفةً.العربي الجديدThe post المساعدات الإنسانية والشرعية في السودان appeared first on صحيفة مداميك.