عبدالمجيد قرشيدخلت الحرب في السودان عامها الرابع، ولم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين يسعيان إلى الحسم، بل تحوّلت إلى حالة مركّبة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والسلاح. ومع طول أمد الصراع، يبرز سؤال حاد: هل أصبحت السياسة نفسها غطاءً لتجارة الحرب؟ وهل يسير السودان نحو نموذج شبيه بما حدث في الصومال؟الإجابة ليست بسيطة، لأن توصيف “السياسيين تجّار سلاح” يحمل قدرًا من التعميم. الأدق هو القول إن بعض الفاعلين السياسيين والعسكريين انخرطوا في شبكات اقتصاد الحرب، بينما تراجعت السياسة بمعناها التقليدي القائم على التفاوض والمؤسسات.في بداية الصراع، كان النزاع يدور حول السيطرة على الدولة: من يملك القرار السيادي، ومن يحتكر استخدام القوة. لكن مع تعثر الحسم، حدث تحوّل تدريجي. لم تعد الحرب وسيلة لتحقيق هدف سياسي واضح، بل أصبحت في حد ذاتها بيئة إنتاج مصالح.ظهر ما يمكن تسميته بـ“اقتصاد الحرب”، حيث تتشكل شبكات معقّدة من التمويل والتسليح، تضم قادة ميدانيين، وسطاء، ورجال أعمال، وأطرافًا خارجية. هذه الشبكات لا تربح من نهاية الحرب، بل من استمرارها: السيطرة على الموارد، طرق التهريب، تدفقات المساعدات، وحتى إعادة توزيع النفوذ داخل مناطق الصراع.وفي هذا السياق، برزت ظواهر تعكس تراجعًا عميقًا في منظومة القيم السياسية. من بينها إدانة بعض السياسيين أمام محاكم جنائية في دول أخرى، في مشهد يكشف ليس فقط أزمة قانونية، بل انحطاطًا أخلاقيًا وسياسيًا يضرب مصداقية النخب ويضعف ثقة المجتمع في العمل العام. عندما تصبح النخب نفسها موضع مساءلة جنائية خارج حدود الدولة، فإن ذلك يشير إلى خلل بنيوي في منظومة الحكم والمحاسبة.بالتوازي، لم يعد الصراع مقتصرًا على طرفين واضحين، بل امتد إلى صراعات داخل المعسكرات نفسها. شهدت الساحة اشتباكات بين مليشيات منضوية في تحالفات واحدة، إلى جانب عمليات اغتيال وتصفية حسابات تعكس غياب القيادة الموحدة وتضارب المصالح. هذا النوع من التفكك يعمّق الفوضى، ويجعل من الصعب الحديث عن مشروع سياسي متماسك لأي طرف.أما على مستوى المؤسسة العسكرية، فقد تأثر ميزان القوة بشكل ملحوظ. تراجع النفوذ التقليدي للجيش في بعض المناطق، إلى جانب نقص في الأفراد والقدرات، دفعه في مراحل مختلفة إلى التحالف مع مليشيات لتعويض هذا الخلل. هذه التحالفات، وإن كانت تكتيكية، تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية، لأنها تضعف احتكار الدولة للسلاح، وتكرّس تعدد مراكز القوة.في هذا المشهد، تتغيّر طبيعة السياسة جذريًا. لم تعد تدور حول برامج أو رؤى وطنية، بل حول إدارة القوة والمصالح المرتبطة بها. وهنا يظهر الانطباع بأن السياسة تحوّلت إلى تجارة سلاح، وهو انطباع مفهوم، حتى لو لم يكن دقيقًا في كل الحالات.الخطر الأكبر لا يكمن فقط في استمرار القتال، بل في ما يمكن تسميته بـ“تطبيع الحرب”. عندما تستمر الحرب لفترة طويلة، تنشأ أجيال تعيش داخلها، وتتكيف معها اقتصاديًا واجتماعيًا. يصبح السلاح مصدر دخل، وتتحول مناطق النزاع إلى أنظمة قائمة بذاتها، يصعب تفكيكها لاحقًا.هذا المسار هو ما يفتح الباب للمقارنة مع الصومال. هناك أوجه تشابه واضحة: تعدد مراكز القوة، ضعف الدولة المركزية، وظهور قادة ميدانيين يملكون نفوذًا فعليًا على الأرض. لكن في المقابل، لا يزال السودان يحتفظ ببعض الفروقات المهمة: وجود مؤسسات دولة، ولو ضعيفة، واستمرار شعور وطني جامع لدى قطاعات واسعة من المجتمع، إضافة إلى اهتمام إقليمي ودولي بمحاولة احتواء الانهيار.مع ذلك، هذه الفروقات قد تتآكل مع الزمن إذا استمر الصراع دون أفق سياسي. فكلما طال أمد الحرب، زادت قوة اقتصادها، وضعفت الدولة أكثر، وارتفعت كلفة العودة إلى السلام.في المحصلة، لا يمكن اختزال ما يجري في السودان في شعار واحد. الحرب لم تعد فقط صراع سلطة، ولم تصبح بالكامل مجرد تجارة سلاح، لكنها تتحرك في مساحة خطرة بين الاثنين. وإذا لم يُكسر هذا المسار عبر تسوية سياسية حقيقية تعيد بناء الدولة وتفكك اقتصاد الحرب، فإن خطر الانزلاق نحو نموذج شبيه بالصومال سيظل قائمًا—ليس كقدر محتوم، بل كاحتمال يتزايد مع كل يوم تستمر فيه الحرب. The post هل تحوّلت السياسة في السودان إلى تجارة سلاح؟ قراءة في مسار الحرب ومخاطر “الصوملة” appeared first on صحيفة مداميك.