الحياة تمضي على طبيعتها فى الخرطوم، وكأن شيئا لم يكن، حركة الشوارع المطمئنة تخرج لسانها لمسيرات المليشيا، وتسخر من “المراهقة العملياتية” التى يمارسها الجنجويد، بعد أن خسروا كل شئ..المضادات الأرضية تعاملت مع اربع مسيرات سقطت دون إحداث أية خسائر .. هذا كل ماحدث..المدهش فى الأمر إصرار الناس على الحياة ودفع فاتورة البقاء مهما كلف الثمن، لم يغلق محل تجاري، وظلت الطلمبات والأسواق تعمل، والمطاعم لا تتوقف بلدي وافرنجي، وحركة السيارات تمضي وكأن شيئا لم يكن…المطار استقبل طائرة وودع اخري، التشويش نجح فى القذف بمسيرات المليشيا بعيدا حيث المنطقة المظلمة فى شرق المطار..حركة المسؤولين عادية جدا لحظة سريان الخبر، التقيت وزيرين أحدهما فى أحد شوارع الرياض، بينما رأيت بأم عيني الدكتور كامل ادريس رئيس الوزراء يودع وفدا امام منزله…بائعات الشاي فى ظلال الخرطوم أشجارها ، وناصيات حوائطها يوزعن المزاج ويضبطن مزاج المدينة على إيقاع الشبهات والنعناع ، جينات وشاي ” سكر زيادة وسكر خفيف”، فى اي مكان تسمع ثرثرة المعالق وتستمتع بالشاي اللطيف ..الأهم من خسائر المسيرات هي إرادة الحياة فقد أيقن المواطنون أن لاملجأ من الخرطوم الا اليها، وان جهنم جنة رضوان، أجمل من جنان وعواصم الدنيا، وإذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر….من على “سماعات الركشات” يخرج صوت احمد الصادق، رخيما ورحيما فى طلاوته العجيبة يذكرنا بالخرطوم قبل أن يعبث باعداداتها الخونة المجرمومون ال دقلو ” اسمعينا وهدي بالك خايفة من ريدتنا مالك” ، ويقفز غناء الحوت وكأنه يهدهد وجع الخرطوم ” من الظروف ما تشيلي هم بكرة الزمن ليك ببتسم” ، وياتيك صوت ايمان الشريف ، ومروة الدولية يتحدى الرتابة ويكتب على وقع المشاوير حكاية شعب يغني رغم الظروف…لاتقلقوا الخرطوم بخير…وستظل عصية على المتمردين…هي مازالت تسدد فواتير الحرب لكن أبناءها الذين عادوا إلى ملاذاتها الآمنة لن يتركوها مرة أخرى…فأرسلوا ماشئتم من المسيرات….