مهدي داود الخليفةشيّع السودان اليوم ابنه حامد مرتضى، ذلك الفتي الذي كان يُرتجي ان يكون من بناة المستقبلٍ ، فإذا به يلبّي نداءً اشتاقت له السماء، و بكت عليه الأرض صابرةً، موقنةً أنه رحل إلى مقامٍ أطهر من هذا العالم المثقل بالحروب والخذلان؛ لكن في اللحظة ذاتها التي ارتفعت فيها الأكف بالدعاء وانحنت القلوب تحت وطأة الفقد، كان السودان، في مفارقة موجعة، يشيّع ما تبقى من أخلاق السياسة، إذ تتكشف بالتوازي وقائع صادمة عن شبكات للاتجار غير المشروع في السلاح، تمتد خيوطها عبر المال والنفوذ وتتقاطع فيها أسماء من صميم المشهد السياسي، بما يحوّل المسألة من حادثة جنائية معزولة إلى مؤشر خطير على تحوّل عميق في طبيعة السياسة نفسها، حيث ينتقل بعض من يُفترض أنهم حماة المجتمع من موقع المسؤولية إلى موقع السمسرة في أدوات قتله؛ وهكذا يتقاطع مشهد الفقد الإنساني الذي يذكّرنا كل يوم بما نخسره من رحيل شباب لا يعوض مع مشهد الانهيار السياسي، الذي يفسّر، بمرارة عميقةً، لماذا يستمر هذا النزيف.في لحظات التحوّل الكبرى في تاريخ الشعوب، لا يُقاس سقوط الدول فقط بانهيار مؤسساتها، بل بانهيار المعاني التي قامت عليها السياسة نفسها. والسياسة، في أصلها، فعلٌ أخلاقي قبل أن تكون صراعاً على السلطة. لكن ما تكشفه قضية إحالة شبكة سودانية إلى القضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة بتهم الاتجار غير المشروع في العتاد العسكري، يضعنا أمام سؤال صادم: ماذا يحدث عندما يصبح السياسي—الذي يفترض أن يحمي المجتمع—شريكاً في تغذية الحرب؟القضية، كما وردت في بيان النيابة العامة، ليست مجرد عملية تهريب سلاح عابرة، بل منظومة متكاملة من التلاعب المالي، التزوير، وغسل الأموال، لتمرير صفقات موت. و الأخطر من ذلك، هو الأسماء التي وردت ضمن لائحة الاتهام.لكن الصدمة الأكبر، وربما الأكثر إيلاماً سياسياً وأخلاقياً، هي ورود اسم أحمد ربيع—ذلك الرجل الذي مثّل، في لحظة تاريخية فارقة، صوت الثورة المدنية، ووقّع على الاتفاق السياسي نيابة عن قوى الحرية والتغيير عقب سقوط نظام عمر البشير. هنا، لا نتحدث فقط عن متهم في قضية جنائية، بل عن تحوّل رمزي عميق: من موقع التوقيع على وثيقة انتقال نحو الديمقراطية، إلى شبهة الانخراط في اقتصاد الحرب.ما تكشفه هذه القضية هو انتقال جزء من النخبة السياسية من فضاء العمل العام إلى فضاء “السمسرة المسلحة”. لم تعد الحرب مجرد صراع بين جيوش، بل تحوّلت إلى سوق مفتوح، تُدار فيه الصفقات بعقلية الربح والخسارة، وتُوزّع فيه العمولات كما تُوزّع الغنائم.الفارق بين القيمة الحقيقية للسلاح والقيمة المُعلنة، كما ورد في التحقيقات، ليس مجرد رقم مالي، بل هو تعبير عن منطق كامل: منطق يرى في الحرب فرصة استثمار، وفي الدم السوداني مورداً اقتصادياً. وهنا، يفقد السياسي صفته كممثل للمجتمع، ويتحوّل إلى وسيط بين المال والسلاح.قد يكون من السهل اختزال المسألة في “خيانة أفراد”، لكن الحقيقة أعمق من ذلك. نحن أمامانهيار بنيوي في العلاقة بين السياسة والأخلاق في السودان. فحين تتداخل السلطة العسكرية مع الشبكات المالية غير المشروعة، وتجد دعماً أو تنسيقاً من شخصيات مدنية، فإننا لا نكون أمام انحراف، بل أمام نموذج حكم قائم على اقتصاد الحرب.هذا النموذج لا يحتاج إلى شرعية ديمقراطية، بل إلى استمرار الفوضى. لذلك، يصبح تهريب السلاح ليس استثناءً، بل ضرورة لاستدامة الصراع.قصة أحمد ربيع تحمل دلالة خاصة، لأنها تمثل انهيار المسافة بين “الثوري” و”التاجر”. فالرجل الذي جاء من خلفية تعليمية، وحُمّل رمزية تمثيل المعلم والطبقة الوسطى، يجد نفسه، بحسب الاتهام، ضمن شبكة تتعامل في أدوات القتل.هذا التحول، إن ثبتت صحته قضائياً، يطرح سؤالاً قاسياً:هل فشلت الثورة في حماية رموزها من السقوط؟ أم أن بعض هذه الرموز لم تكن محصّنة أخلاقياً منذ البداية؟ما يحدث اليوم في السودان ليس فقط صراعاً على السلطة، بل اقتصاد حرب متكامل:* السلاح يُشترى ويُباع عبر شبكات دولية* الأموال تُغسل عبر شركات وواجهات تجارية* السياسيون يوفّرون الغطاء أو يسهّلون العملياتفي هذا السياق، تصبح السياسة مجرد واجهة، بينما تُدار الحقيقة في غرف مغلقة، حيث تُتخذ القرارات بناءً على حسابات الربح لا المصلحة الوطنية.إن أخطر ما في هذه القضية ليس عدد المتهمين، ولا حجم الصفقات، بل المعنى الذي تعكسه:عندما يتحول السياسي إلى تاجر سلاح، فإن الدولة لا تفقد فقط أمنها، بل تفقد روحها.السودان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي:إما استعادة السياسة كفعل أخلاقي يخدم المجتمع،أو الاستسلام لتحولها إلى نشاط تجاري تديره شبكات الحرب.وفي هذا السياق، لا يكفي انتظار أحكام القضاء، بل لا بد من مراجعة شاملة لدور النخب السياسية، ومساءلتها ليس فقط قانونياً، بل أخلاقياً وتاريخياً.لأن الأوطان لا تسقط فقط عندما تُهزم جيوشها،بل عندما يبيع ساسَتُها ضميرهم في سوق السلاح.The post عندما يتحوّل السياسي إلى تاجر سلاح: سقوط القيم وصعود اقتصاد الحرب appeared first on صحيفة مداميك.