قصة : مصطفي مدثرفي يوم جميل من أيام الربيع، مشمِس وعليلِ الهواء، تسلق عمود الصاري الذي يتوسط ميدان الخليفة، نازلاً في مرح، وقد علقت بقميصه، عند انزلاقه بين البيارق الصغيرة المثبتة على الصاري، خطوط ضوئية رفيعة من بهرة الطلاء على قبة المهدي. ربما لم يفعل مثل فعلته أحد من قبل.كان نفر من حرس قبة المهدي، على الطرف البعيد من ميدان الخليفة قد هبوا لمتابعة حركة الصبي، ثم بدا أنهم قرروا أن لا يفعلوا شيئاً بعد أن رأوه ينزل سالماً. كان يعلم أن الصاري ليس له حارس، أما حرس المتحف القريب منه فهم يعرفونه كواحد من عفاريت المكان.توجه صوب المتحف وحيا حرسه بمرح ولم يسألوه لماذا تسلقت الصاري ففكّر أنه ربما لم يكن أول من يفعل ذلك.كانت مجموعة من السياح قد وصلت لتوها، فجال ببصره على هيئاتهم. كانوا في أعمار متقدمة. العجوز الذي أخذه معه آخر مرة كان قد احتاج أن يغادر سريعاً وعلى نحو مفاجئ لأنه نسي تناول دوائه المهم، كما قال بصوت ضعيف وقد انجلطت خصلة شعر بيضاء على جبينه من أثر العرق، ثم أضاف: سآخذ تاكسي للفندق.***وقف ينتظر ريثما يدخل الزوار المتحف في هدوء ونظام ابتدعوه لتوِهم . ولبس أحدهم نظارته وهو ينحني أمام اللوحة المعرّفة بالمتحف ثم التقط لها صورة ولحق ببطء بالأخرين.تأكد له أن الشباب أقرب إليه، مثل ذلك الإيطالي الذي كان يقصد إثيوبيا فوجد نفسه في السودان ولم يخف حنقه على من غيّر خطته، وضحك عند سؤاله عن رأيه في السودان، لكنه كان ضعيفاً في انجليزيته وهزلياً في مخارجها.عنّ له سؤال عن كيف يمكنه أن يميّز الإنجليزي من الأمريكي حتى تكون مسألة اللغة واضحة من البداية، وربما كان يفكر في ذلك جهراً فقد تناغمت معه سيدة مسنة، تتدلى من كاميرا على عنقها، لكنه لم يفهمها، لم تكن الإنجليزية لغتها، فران عليه الكسوف ثم ابتسم آسفاً وطربت هي، بغتةً، عند تحرك المجموعة، فوقف ينتظرهم، وجوههم محمّرة لكأن زيارة هذا المتحف واجب عليهم، ثم لحق بالرهط وعندما انعطف به المدخل إذا بشجاعة الفتى متسلق الصاري تزوي أمام التمثال الخشبي الذي وجد نفسه أمامه؟ كان دوماً يرتعد ويبلع ريقه حين يدلف ويجد نفسه أمام هذا المحارب الأنصاري.***وفي الباحة الداخلية، سُر بوجود مجموعة أخرى من شباب السواح، يتحركون وسط القحاف والأزيار وبين المدافع والأُطر الخشبية المنسوبة لآلات حربية قديمة، وكان منهم من يدوّن أو يرفع كاميرا، وبسرعة استطاع أن يعمل سحره على شاب منهم، أعجبته لهجته المبينة وشعر رأسه المرسل لكأنه من الجماعة التي يقال لها: هيبي، فسحب عليه خيطاً لامعاً. وسرى سحره في الشاب، ففرّق بينه ومَن كانوا معه وفيهم شابة، بدت متأثرة لهذا الفراق.وما هي إلاّ لحظات حتى خرج بالشاب من المتحف، وألقى نظرة صاعدة للصاري، وسار بصاحبه إلى ما وراء الميدان.***وفي البيت، أودع صيده الديوان وكلّم أمه أن معه ضيف فقالت له: أراك تأتي بأحدهم كل مرة، ولكن هذه المرة أحضرت شاباً فهنيئاً لك. قال لها: أعدي لنا شاياً نرطّب به من هذا الحر. ولم تكن أمه غير سعيدة بما يصنع فقامت لعمل الشاي، ثم أسرعت تنادي جارتها من وراء الحائط القصير.عاد لضيفه في الديوان، فوجده يتلفت مبهوراً بالسقف، وبالجدران والصور، قال إنه أمريكي ويعمل كمصوّر، تحمّس هو لذلك فحدّث الضيف عن الطابية وملتقى النيلين ومناظر أخرى لكن الرجل قال له بجدية طارئة إنه يصوّر البشر فقط، فعجب لذلك وقام ليحدّثه عن الأشخاص في الصور التي زيّن بها والده الديوان، فقال له الرجل: أنت تتحدث انجليزية سليمة، ثم جلسا لشرب الشاي الذي أحضرته أمه التي سلمت على الضيف في يده فبدا الرجا مندهشاً من سلامها. كانت أمه قد أرادت له أن يقضي النهار في الإعداد لامتحانه في الغد بينما رأى هو أنه (مُقفِل) المادة ويحتاج وقتاً لهوايته.قال للسائح الشاب: هل أتيت من ولاية أوريجون في أمريكا لتصوّر البشر؟ فأجاب الأمريكي: نعم، بلدي بعيدة. أحياناً أذهب لجنوب شرق آسيا. تعجّب من أسفار الرجل وعدّها من الأعمال الكبيرة، لكن فكرة باهرة التمعت في ذهنه فجذب منها خيطاً لامعاً وأرداه على الإكليم. كانت تلك ضالته، فلقد وعد أستاذ اللغة المشرف على الجريدة الحائطية بالمدرسة أن يكتب شيئاً عن حرب فيتنام.وضع سؤاله بشكل مفاجئ للرجل: ما رأيك في حرب فيتنام؟ وتضايق حين بدا له أن الرجل غير عابئ بأخبارها. لم يتوقع ذلك، فالأشرار يشعلون الحرب ولا ينبغي لشاب مثله أن يغض عن العدوان؟ ألم يتابع أخبار المظاهرات الرافضة للحرب في بلده وفي كل مكان؟ ألم يسمع واسترسل، بإنجليزيته التي علّق عليها الضيف، فألقى على الرجل خطبة يحتج فيها على قصف أمريكا للأبرياء. وظل الضيف يتحسس كاميرته وهو يستمع مبتسماً.سأله الرجل بصبر: هل يمكن أن نشرب الشاي في هدوء؟ فاسقط في يد صاحبنا. واصل الرجل فقال: أنت لديك ما يكفي لكتابة مقال عن الحرب، لكن أنا أمريكي بسيط، ألتقط الصور وأبيعها في بلدي، هناك من يستفيدون من صوري. ثم صمت برهة وأضاف في هدوء: أنت أعرف مني في السياسة.وصعق لصدق الرجل ولكنه حار كيف عرف أنه ينوي كتابة مقال.في تلك اللحظة سمع أمه تقول لجارتها من وراء الحائط: لقد أتى بالرجل ضيفاً لكنه رطن معه بحدة. أخشى أن يتعارك معه. دعيني أرى ما يحدث. وكان الأمريكي نفسه قد أصغى لصوتها كأنه يفهم كلامها. وتأخرت الأم في ارتداء ثوبها بطريقة محكمة وعند دخولها الديوان لم يكونا هناك.فوقفت وراء باب البيت الموارب وقد انسدل عنها ثوبها ورأتهما يتحدثان في طرف شارع الأسفلت. ثم جاءت سيارة أجرة فاستقلها الخواجة ملوّحاً بالوداع لابنها، فحمدت الله.***كان ابنها مضطرباً فسألته: ماذا حدث؟ ولم يرد عليها فصاحت فيه: ألست مبسوطاً؟ تأتي بسائح كل مرة، ماذا كنت تقول له، أمريكا، وتلك الأخرى، أهكذا تعامل الضيف؟ وظل ابنها يهز رأسه وهو يستمع لها، ثم قال لها وهو يمشي نحو الديوان: هذا الرجل أتى من مكان بعيد ليلتقط صور الناس ولا يتحدث في السياسة، أتعلمين ماذا يعني ذلك؟ ثم أضاف وهو يلتفت لها: وكان يعلم أنني أنوي كتابة موضوع لجريدة المدرسة. أليس هذا أمراً عجيباً؟أمه لم تر ما يرمي إليه، فأصرت على حرمة الضيف وقالت له: إذا كنت ستختلف مع مَن تأتي بهم من المتحف فأحسن أن تتركهم هناك. لكن موضوعه لجريدة المدرسة الحائطية كان قد اشرق دافئاً مثل شمس ذلك اليوم .The post المصوّر الأمريكي appeared first on صحيفة مداميك.