منتدى الإعلام السودانيالنيل الأزرق، (جريدة الجريدة) –على أطراف مدينة الدمازين، تجلس أمٌّ تفترش قطعة قماش مهترئة، تضم طفلين إلى صدرها وتحاول إقناعهما بأن الطريق الطويل الذي قطعوه لم يكن هروبًا بل “رحلة قصيرة”. خلفها تتكدس عشرات الأسر التي وصلت تباعًا من محافظة الكرمك والقرى المحيطة بها، بعد أيام من القصف والاشتباكات التي حوّلت الحقول إلى ساحات من النار، والبيوت إلى ظلالٍ خائفة. أو هكذا تبدو القُرى الوادعة بعد تصاعد حِدة القتال في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، وتواصل التصعيد العسكري في مناطقه الجنوبية، ما أدى إلى موجة نزوح جديدة باتجاه مدينة الدمازين، في ظل أوضاع إنسانية توصف بالحرجة ونقص حاد في الخدمات الأساسية.“مبادرة المجتمع المدني بولاية النيل الأزرق” أكدت لـ(الجريدة) : وصول أعداد كبيرة من المدنيين خلال الأسبوعين الماضيين، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، بعد اتساع رقعة المواجهات الحربية وتعذر البقاء في مناطقهم الأصلية.ويشهد إقليم النيل الأزرق منذ أسابيع، اشتباكات عنيفة بين الجيش وحلفائه، والدعم السريع وحليفته الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال ، في تطور نقل الإقليم لمحور من أهم جبهات المواجهة والقتال في الحرب الدائرة بالسودان. وتعرضت مدينة الكرمك لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة طالت مدنيين وأعيان مدنية، فيما استهدفت مسيرات مستشفى في مدينة سنار. في وضع أدى إلى نزوح المئات من الأسر إلى مدينة الدمازين.أطراف قتال متعددةتأتي حركة النزوح في سياق استمرار المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إلى جانب عناصر من الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال في بعض المحاور، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويضع المدنيين في دائرة الخطر المباشر. مصدر أمني محلي – فضّل حجب اسمه – أشار إلى أن الاشتباكات تتركز في مناطق ريفية جنوب الكرمك، وأن وتيرتها “تتصاعد على نحو متقطع”، ما يدفع السكان إلى النزوح الوقائي خشية امتداد العمليات إلى قراهم.مراكز إيواء مكتظة وخدمات منهكةوبحسب إفادات المبادرة وعدد من الناشطين، تواجه مراكز الإيواء المؤقتة في الدمازين ضغطًا يفوق طاقتها الاستيعابية. المدارس والمساجد وبعض المباني الحكومية تحوّلت إلى ملاجئ مكتظة، وسط نقص واضح في الغذاء والمياه الصالحة للشرب. أحد المتطوعين في غرفة طوارئ محلية، أوضح أن “الإمدادات الحالية لا تكفي لتغطية الاحتياجات لأكثر من أيام قليلة”، لافتًا إلى نقص حاد في الأدوية الأساسية وعلاج الملاريا والمضادات الحيوية، في وقت ترتفع فيه درجات الحرارة وتزداد مخاطر انتشار الأمراض.احتياجات خاصة بالنساء وكبار السنوسط تلك الأوضاع المتردية، تبرز احتياجات ملحّة تتعلق بصحة النساء، خاصة تلك المتعلقة بتوفير مستلزمات النظافة الشخصية والرعاية الطبية للأمهات والحوامل.(محاسن) طبيبة تعمل في أحد المراكز الصحية بالدمازين قالت لـ(الجريدة): المرافق الصحية تعاني من ضغط غير مسبوق، مع محدودية الكوادر والإمكانات، ونستقبل يوميًا حالات إنهاك وسوء تغذية، وبعض الأطفال وصلوا وهم يعانون من جفاف حاد”. وكثير من الأسر وصلت دون متعلقات شخصية أو موارد مالية، بعد أن فرت على عجل من مناطق القتال، تاركة خلفها ممتلكاتها ومصادر رزقها.تحذيرات من تفاقم الأزمةناشطون حذروا من أن استمرار تدفق النازحين دون استجابة إنسانية عاجلة قد يؤدي إلى كارثة أوسع، خصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد وتراجع الدعم الإنساني الدولي. وأشاروا إلى أن المجتمع المحلي يبذل جهودًا كبيرة لاستيعاب الوافدين، لكنه يواجه محدودية في الموارد.وعبرت الأمم المتحدة عن بالغ قلقها إزاء تصاعد العنف في المنطقة وإلحاق الأذى بالمدنيين وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية. وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (اوتشا) سؤ الأوضاع الإنسانية.دعوات لوقف القتال وفتح ممرات آمنةفي السياق ذاته، دعت مبادرة المجتمع المدني أطراف النزاع إلى احترام القانون الدولي الإنساني، وضمان حماية المدنيين وعدم استهدافهم، مطالبة بفتح ممرات آمنة تتيح الخروج من مناطق الاشتباكات دون تعريض حياة السكان للخطر. كما شددت على ضرورة إعلان هدنة إنسانية فورية وشاملة، تتيح إيصال المساعدات إلى المتضررين في مناطق النزاع ومواقع النزوح، وتخفف من حدة المعاناة المتفاقمة.ووجّهت المبادرة نداءً عاجلاً إلى المنظمات الإقليمية والدولية للتدخل السريع وتقديم الدعم في مجالات الإيواء والغذاء والرعاية الصحية، مؤكدة أن الوضع في الإقليم ينذر بمزيد من التدهور إذا لم يتم التحرك بصورة عاجلة ومنسقة.في النيل الأزرق، لا تبدو الحرب مجرد خبر عابر في نشرات المساء، بل واقعًا يوميًا يقتلع الناس من جذورهم. وبينما تتبدل خرائط السيطرة على الأرض، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في معادلة الصراع، ينتظرون وقفًا لإطلاق النار يعيد إليهم حقهم الأول (الأمان) .هشاشة أمنيةوتعيش ولاية النيل الأزرق حالة من الهشاشة الأمنية المتزايدة، في ظل تعدد مراكز القوة وانتشار السلاح خارج الأطر النظامية. وبحسب مصادر محلية وإدارات أهلية تحدثت لـ«الجريدة»، فإن الطرق الرابطة بين الكرمك والدمازين تشهد تحركات عسكرية متقطعة ونقاط ارتكاز متغيرة، ما يحدّ من حركة المدنيين ويعقّد عمليات الإغاثة. كما أبدت قيادات مجتمعية مخاوفها من امتداد الاشتباكات إلى مناطق جديدة، خاصة في ظل التداخل الجغرافي بين القرى ومناطق التمركز العسكري، الأمر الذي يضاعف احتمالات الاحتكاك ويهدد بموجات نزوح إضافية إذا لم يتم احتواء الموقف أمنيًا عبر ترتيبات واضحة تحمي المدنيين وتؤمّن الممرات الحيوية داخل الولاية.ينشر منتدى الإعلام السوداني هذه المادة من إعداد جريدة (الجريدة)، ليعكس ما يشهده إقليم النيل الأزرق من تصاعد في الاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائهما، ما أدى إلى نزوح اللآلاف من الكرمك والقرى المحيطة وسط أوضاع إنسانية حرجة. ويبرز ما وصف لمراكز الإيواء المكتظة ما تعانيه من نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية. ويدعو إلى الإسراع لتدارك الموقف الإنساني ووقف الحرب.The post النيل الأزرق تحت النيران … جبهة تشتعل وأزمة إنسانية تتفاقم appeared first on صحيفة مداميك.