بقلم: وجدي كاملفي نهارٍ من عام 2021 ذهبنا إلى منزل الإعلامي جمال الريان ضمن فريق العمل الذي كان يعد فيلم «الجزيرة 25»، وهو الفيلم الذي كُلِّفتُ بإخراجه بمناسبة مرور ربع قرن على تأسيس القناة. استقبلنا يومها بترحابٍ صادق، وبروحٍ ودودة لا تخلو من ذلك الحضور القوي الذي يعرفه ملايين المشاهدين. كان صوته الهادر، الذي ألفته الأذن العربية عبر سنوات طويلة من متابعة الأخبار، حاضرًا حتى في حديثه العادي، كأنه يحمل داخله إيقاع نشرات الأخبار نفسها.خرجنا من ذلك اللقاء بانطباع واضح: أمامنا إعلامي لم يكن مجرد قارئٍ للأخبار، بل صوتٌ أصبح جزءًا من ذاكرة المشاهد العربي.في السنوات الأخيرة بدأت وجوه إعلامية بارزة تنسحب بصمت من المشهد، تاركة فراغًا يصعب ملؤه. وكان من أبرز من غابوا قبل نحو شهر المذيع الإخباري جميل عازر، الذي عرفه الجمهور أولًا عبر الإذاعة ثم عبر شاشة التلفزيون. واليوم يتواصل هذا الرحيل مع فقدان واحد من أهم الأصوات الإخبارية في العالم العربي، إذ فقدت شبكة الجزيرة الإعلامية، ولا سيما قناتها العربية، المذيع والإعلامي جمال الريان.وُلد الريان عام 1953 في مدينة طولكرم الفلسطينية، وبدأ مسيرته الإعلامية مبكرًا في التلفزيون الأردني في سبعينيات القرن الماضي. ثم تنقّل بين تجارب إعلامية متعددة، من العمل في كوريا الجنوبية إلى تلفزيون أبوظبي، قبل أن يخوض تجربة الإعلام الدولي في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية. غير أن اللحظة المفصلية في مسيرته جاءت مع انطلاق قناة الجزيرة عام 1996، حين أصبح واحدًا من الوجوه المؤسسة لتجربتها الإعلامية.مع الجزيرة لم يكن الريان مجرد مذيع أخبار. لقد كان أحد الأصوات التي شكّلت ملامح مرحلة جديدة في الإعلام العربي، مرحلة خرجت فيها نشرات الأخبار من القالب التقليدي إلى فضاء أكثر حيوية وتأثيرًا. وعلى مدى سنوات طويلة أصبح صوته مألوفًا لدى ملايين المشاهدين الذين تابعوا عبره أحداثًا مفصلية في تاريخ المنطقة، من الانتفاضة الفلسطينية إلى الحروب والتحولات السياسية الكبرى التي عرفها العالم العربي في العقود الأخيرة.تميّز جمال الريان بحضور مهني قوي وصوت واضح النبرة، وبقدرة على نقل الخبر بثقة وثبات، وهي صفات جعلته واحدًا من أكثر المذيعين حضورًا وتأثيرًا في الذاكرة الإخبارية العربية. وربما كان هذا ما جعل اسمه يرتبط، في ذهن المشاهد، بلحظة الخبر الكبير.برحيله اليوم، لا تفقد الجزيرة أحد أبرز مذيعيها فحسب، بل يفقد المشاهد العربي صوتًا ارتبط بذاكرة زمن كامل من المتابعة الإخبارية. إنها خسارة لصوتٍ كان يعلن الخبر، ويرافق لحظات التحول، ويضفي على نشرات الأخبار تلك النبرة التي تجمع بين المهنية والحضور القوي.لقد غادرنا صاحب الصوت الهادر الذي شيّع الخبر بالحماسة والطاقة الإيجابية. لكن الأصوات التي ترتبط بذاكرة الشعوب لا تغيب تمامًا؛ فهي تظل عالقة في الذاكرة كلما عادت الأذن إلى أرشيف تلك السنوات التي كان فيها الخبر يُقال بصوته.The post جمال الريان… حين يرحل صوت من ذاكرة الخبر العربي appeared first on صحيفة مداميك.