خطورة غياب المؤسسات تقود إلى قرارات كارثية

Wait 5 sec.

عبدالمجيد قرشيإن الدول الحديثة لا تُدار بالقرارات الفردية، بل عبر منظومة مؤسسات متكاملة تشارك في صناعة القرار. فالمؤسسات المتخصصة ومراكز التفكير الاستراتيجي (Think Tanks) تمثل العقل التحليلي للدولة، حيث تقوم بدراسة الخيارات المختلفة وتقدير المخاطر والنتائج قبل اتخاذ أي خطوة مصيرية. لذلك فإن أي نظام يبني قراراته بعيداً عن هذه المؤسسات يصبح عرضة للأخطاء الاستراتيجية والقرارات الفاشلة.التاريخ السياسي يقدم لنا نماذج واضحة. فقد ساهمت الحسابات الضيقة والقرارات المتسرعة في إشعال World War I، وهي حرب لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى صراع عالمي بهذا الحجم. وفي المقابل، أظهرت الأزمات الكبرى أهمية المؤسسات في إدارة المخاطر. ففي أزمة Cuban Missile Crisis عام 1962، لعبت المؤسسات السياسية والعسكرية في United States دوراً حاسماً في دراسة الخيارات المختلفة، مما ساعد على تجنب مواجهة نووية مباشرة مع Soviet Union.القرارات الفردية في السياسة الدولية كثيراً ما قادت إلى أزمات كبرى. وما يحدث اليوم في الشرق الأوسط يعكس خطورة هذا النهج، حيث اتُخذت بعض القرارات في أجواء من التوتر دون تقدير كامل لتداعياتها، الأمر الذي قد يقود إلى أزمة واسعة تؤثر في التجارة العالمية وتدخل المنطقة في صراع يصعب الخروج منه.وفي هذا السياق، تشير بعض التحليلات السياسية إلى أن محاولات الخروج من الأزمات قد تأتي أحياناً عبر حلول سياسية مثل إعلان النصر أو البحث عن مخرج دبلوماسي لتجنب التورط في صراعات طويلة، وهي ظاهرة شهدها التاريخ في أكثر من نزاع دولي.أما النظام في Iran فهو نظام معقد في تركيبته السياسية والمؤسسية، حيث يقوم على مزيج من المؤسسات الدينية والمؤسسات المدنية. هذا التداخل يجعل النظام جزءاً من البنية الاجتماعية والسياسية للدولة، الأمر الذي يصعّب فصله عن المجتمع أو التعامل معه بقرارات بسيطة أو سريعة.وفي المقابل، يبرز وضع Sudan مثالاً مختلفاً يتمثل في ضعف المؤسسات وهشاشة الدولة. فخلال فترة حكم الانقاذ تم تحويل مؤسسات الدولة تدريجياً إلى أدوات تخدم الحزب الحاكم، في إطار سياسة عُرفت بسياسة “التمكين”. ونتيجة لذلك، تراجع دور الكفاءات والخبرات المهنية، وحلّ مكانها الولاء السياسي، مما أضعف مؤسسات الدولة وأفقدها قدرتها على التخطيط الاستراتيجي.كما أدى غياب مراكز الدراسات الاستراتيجية ومؤسسات التفكير الوطني إلى فراغ كبير في صناعة القرار، حيث لم تعد هناك مؤسسات قادرة على تقديم رؤى علمية لمعالجة الأزمات. وكانت النتيجة سلسلة من الإخفاقات السياسية والاقتصادية، انتهت بتفاقم الصراعات الداخلية وتفكك مؤسسات الدولة واستمرار الحروب.إن التجارب الدولية تؤكد أن قوة الدول لا تُقاس فقط بمواردها أو قوتها العسكرية، بل بقدرة مؤسساتها على إدارة الأزمات وصناعة القرار على أسس علمية. فالدولة التي تفتقر إلى المؤسسات ومراكز الفكر الاستراتيجي تصبح أكثر عرضة للأخطاء التي قد تقود إلى أزمات عميقة يصعب الخروج منها. The post خطورة غياب المؤسسات تقود إلى قرارات كارثية appeared first on صحيفة مداميك.