مهدي داود الخليفةعيدُ فطرٍ مباركٌ على شعبِ السودانِ العظيم؛ عيدٌ يأتي هذا العام وبلادُنا لا تزال تُثقلها جراحُ الحرب، وتئنُّ تحت وطأة النزوح والفقد والانتظار. ومع ذلك، يظلُّ العيدُ في الوجدان السوداني معنىً للصبرِ الجميل، ورمزًا للأمل الذي لا ينكسر، وتجديدًا للعهد بأن هذا الوطن—رغم كل ما مرّ به—قادرٌ على النهوض من بين الرماد. نسأل الله أن يكون هذا العيدُ فاتحةَ فرجٍ قريب، وأن تعود الطمأنينةُ إلى ربوع السودان، وأن يرجع النازحون واللاجئون إلى ديارهم آمنين، وأن تتوقف هذه الحرب العبثية التي أنهكت الإنسان والمكان، لتُفتح صفحةٌ جديدة عنوانها السلام، والعدالة، واستعادة الدولة لصالح شعبها.تأتي عودة لجنة إزالة التمكين في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في تاريخ السودان الحديث؛ لحظة تتداخل فيها الحرب مع انهيار مؤسسات الدولة، وتتقاطع فيها معركة استعادة الديمقراطية مع صراع مفتوح على السلطة والثروة. من حيث المبدأ، لا يمكن التقليل من أهمية هذه الخطوة، فاللجنة مثلت منذ تأسيسها أحد أهم أدوات تفكيك بنية نظام الثلاثين من يونيو 1989، وكانت—في جوهرها—تجسيدًا عمليًا لشعار العدالة الانتقالية واسترداد الدولة من قبضة التمكين. غير أن السؤال الحقيقي لا يكمن في مجرد عودة اللجنة، بل في طبيعة هذه العودة، وحدود فعاليتها، ومدى قدرتها على التكيّف مع واقع تغيّر جذريًا.أهم ما تمتلكه اللجنة ليس فقط سلطاتها الإجرائية، بل ما راكمته من معرفة دقيقة ببنية النظام السابق: شبكات المصالح، واجهات الاستثمار، مسارات الأموال، والعلاقات التي شكّلت العمود الفقري لاقتصاد الحركة الإسلامية. إلا أن هذه الميزة نفسها تطرح إشكالية جوهرية؛ فهل ما زالت هذه المعلومات صالحة وذات قيمة قانونية في ظل التحولات التي أعقبت انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، وما تبعه من إعادة تموضع لعناصر النظام السابق داخل أجهزة الدولة، والتلاعب بالسجلات، ونقل الأصول، وبناء شبكات بديلة، بل وتوظيف الحرب نفسها كغطاء لإعادة تشكيل النفوذ؟ الخطر هنا لا يتمثل في فقدان المعلومات، بل في تحوّلها إلى ذاكرة سياسية يصعب تحويلها إلى أدلة قانونية قابلة للاستخدام أمام القضاء.في هذا السياق، يبرز نقد مهم كان قد طرحه عدد من القانونيين منذ المرحلة الأولى لعمل اللجنة، يتمثل في أن تفكيك بنية الفساد—رغم ضرورته السياسية—كان ينبغي أن يتم عبر القضاء الطبيعي لضمان سلامة الإجراءات وتحقيق العدالة. فقد كانت اللجنة تصدر قرارات إدارية باسترداد الأموال والممتلكات قبل صدور إدانات جنائية نهائية، وهو ما أثار جدلاً واسعًا حول مدى اتساق هذه الإجراءات مع مبادئ سيادة القانون. كما أُخذ عليها أن بعض قراراتها صدرت دون منح الأفراد فرصة كافية للدفاع عن أنفسهم قبل المصادرة أو العزل، الأمر الذي دفع منتقديها لوصف بعض ممارساتها بأنها أقرب إلى “عدالة انتقائية” وليست عدالة انتقالية مكتملة الأركان. وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن اللجنة تحولت في بعض الحالات إلى أداة ذات طابع سياسي للانتقام، خاصة في ظل غياب المعايير الإجرائية الصارمة، وهو ما أدى إلى توترات واضحة بينها وبين السلطة القضائية، بما في ذلك خلافات مع المحكمة العليا حول الاختصاص والإجراءات.هذه الإشكالات لا تُبطل مبررات وجود اللجنة، لكنها تكشف عن معضلة عميقة في التجربة السودانية: كيف يمكن تحقيق العدالة الانتقالية في سياق هش، دون الانزلاق إلى تسييس القانون أو تقويض ضمانات المحاكمة العادلة؟ وهي معضلة ليست سودانية خالصة، بل واجهتها دول أخرى خرجت من تجارب استبداد وفساد، وقدمت نماذج مختلفة يمكن الاستفادة منها.في نيجيريا، على سبيل المثال، تم التعامل مع إرث الفساد عبر إنشاء مؤسسات دائمة ذات طابع قانوني واضح، مثل لجنة الجرائم الاقتصادية والمالية، التي اعتمدت بشكل كبير على التحقيقات الجنائية والإجراءات القضائية، وربطت بين العمل التنفيذي والرقابة القضائية، بما ضمن قدرًا أعلى من الاستدامة المؤسسية والشرعية القانونية، رغم ما واجهته من تحديات سياسية. أما في جنوب أفريقيا، فقد اتخذت العدالة الانتقالية مسارًا مختلفًا عبر لجنة الحقيقة والمصالحة، التي ركزت على كشف الحقيقة والمساءلة الأخلاقية، مع منح عفو مشروط في بعض الحالات، وهو نموذج جمع بين العدالة والاعتراف والمصالحة، وساهم في تجنب الانفجار السياسي، رغم الانتقادات التي وُجهت إليه بشأن محدودية المحاسبة الجنائية.المقارنة هنا لا تعني استنساخ التجارب، بل إبراز أن نجاح أي آلية لتفكيك الفساد مرتبط بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الفعالية السياسية والشرعية القانونية. ففي الحالة السودانية، يبدو أن هذا التوازن كان مختلاً في بعض المراحل، حيث غلب الطابع السياسي على الإجرائي، مما أضعف مناعة القرارات أمام الطعون القضائية، وفتح الباب أمام التشكيك في دوافعها.من ناحية أخرى، يُلاحظ أن خطاب اللجنة ظل يركز بشكل كبير على تفكيك نفوذ الحركة الإسلامية، وهو هدف مشروع، بل وضروري في سياق الانتقال. غير أن الإشكالية تظهر حين يتم اختزال التمكين في تنظيم سياسي واحد، بينما تشير الوقائع إلى أن التمكين كان—ولا يزال—منظومة سلطة مركبة تشمل الاقتصاد الموازي، وشبكات الفساد العابرة للمؤسسات، وعسكرة الاقتصاد، وتحالفات رأس المال والسلاح، وصعود المليشيات كأدوات للسيطرة. إن تجاهل هذه الأبعاد، خاصة في ظل اقتصاد الحرب، يطرح سؤالاً حرجًا حول ما إذا كان التفكيك الجاري يستهدف البنية الكاملة للسلطة، أم يعيد فقط تعريف الخصم السياسي.التحدي الأكبر الذي تواجهه اللجنة اليوم لا يتعلق فقط بطبيعة مهامها، بل بسياق عملها نفسه. فهي تعمل في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة، وتعدد مراكز السلطة، وضعف الاعتراف الداخلي والخارجي، بل ومن خارج الحدود الوطنية في بعض الأحيان. هذا الواقع يطرح أسئلة صعبة حول مصدر شرعيتها، وقدرتها على تنفيذ قراراتها، وإمكانية ملاحقة الأموال المنهوبة دوليًا دون غطاء سيادي معترف به. فاسترداد الأصول عبر الحدود يتطلب تعاونًا قضائيًا دوليًا، واعترافًا رسميًا بالجهة المطالِبة، ومنظومة مؤسسية موثوقة لإدارة الأموال المستردة، وهي شروط يصعب توفرها في الوضع الراهن.إلى جانب هذه التحديات الموضوعية، برزت مشكلة أخرى تتعلق بإدارة الخطاب السياسي والإعلامي. فقد أدى الترويج المبالغ فيه لفكرة “خبر الساعة الواحدة بتوقيت الثورة” إلى خلق توقعات مرتفعة لدى الرأي العام توحي بحدوث اختراق سياسي كبير في مسار الحرب أو التسوية، سرعان ما اصطدمت بواقع محدود يتمثل في إعلان استئناف نشاط اللجنة. هذه الفجوة بين التوقعات والواقع لا تضر فقط بصورة اللجنة، بل تؤثر سلبًا على مصداقية القوى المدنية عمومًا، إذ إن المبالغة الإعلامية قد تحقق زخمًا مؤقتًا، لكنها على المدى البعيد تُضعف الثقة، وتُربك الجمهور، وتخلق حالة من الإحباط السياسي.في المحصلة، تظل عودة لجنة إزالة التمكين خطوة مهمة من حيث المبدأ، لكنها ليست اختراقًا سياسيًا في حد ذاتها. قيمتها الحقيقية ستُقاس بقدرتها على الانتقال من الذاكرة إلى الفعل القانوني، ومن الرمزية الثورية إلى الفعالية المؤسسية، ومن تصفية الماضي إلى بناء المستقبل. فالمعركة في السودان اليوم لا تتعلق فقط بتفكيك إرث النظام السابق، بل بمنع إعادة إنتاجه بأدوات جديدة، وهو ما يتطلب رؤية شاملة لإعادة بناء الدولة، يكون فيها القانون هو الإطار، والعدالة هي الغاية، والسياسة في خدمة الاثنين لا بديلًا عنهما.The post عودة لجنة إزالة التمكين: بين ضرورة التفكيك ومخاطر التسييس وتحديات العدالة appeared first on صحيفة مداميك.