“الأبيض المسكين” تقرأ الحلم الأميركي قبل شابلن

Wait 5 sec.

إبراهيم العريسفي واحد من أشهر أفلامه وأجملها، فيلم “الأزمنة الحديثة” (1936)، جعلنا تشارلي شابلن ننظر إلى وضع بؤساء الطبقة العاملة، وإلى الاستلاب الناجم عن العمل مع الآلات الحديثة ومختلف ضروب التجديدات التقنية التي تصل إلى عمق التدخل في الحياة الخاصة للعامل، وذلك من وجهة نظر هذا الأخير. فإذا استثير تعاطفنا معه، فما هذا إلا لأننا نرى ما يعانيه منقولاً على الشاشة أمامنا، ومن ثم نشعر بمقدار كبير من التماهي معه. إن هذا العامل البائس الذي يصوره لنا شابلن هو في نهاية الأمر، نحن، حتى وإن بدت أوضاعنا في الحياة العامة، أفضل من أوضاعه على الشاشة. إننا هو، ضمن إطار الممكن طالما أن الظروف الخارجية الفالتة من إرادتنا هي التي تتحكم في حياتنا ورزقنا.بشكل عام تمكن شابلن في ذلك الفيلم من لعب لعبته، ومن فرض رؤيته الخاصة: الرؤية من الأسفل إلى الناس الذين سمّاهم الكاتب المصري نعمان عاشور ذات يوم “الناس اللي تحت”. ومن هنا أتت قوة فيلم شابلن، من حيث شيطن أصحاب العمل وأصحاب الاختراعات ورجال السلطة لحساب إضفاء صفة الملائكة على البائسين الضحايا. ولعل قوة هذا الفيلم تأتي تحديداً من هذه الناحية، ناحية انزياح لعبة الخير والشر، لتلعب هنا على المستوى الطبقي، وأكثر من هذا، على مستوى التناحر بين العامل/ صاحب العمل، من دون أن يكون ثمة مجال للمصالحة (التي هي جوهر فيلم مشابه، في بعض ظروفه، هو فيلم “متروبوليس” لفريتز لانغ الذي صوّر في نهاية الأمر المصالحة “التاريخية” بين العمال ورأس المال).الرواية الأقل شهرةلكن الكاتب الأميركي شيروود أندرسون، كان قبل شابلن بأكثر من عقد ونصف العقد من السنين قد دنا من الموضوع نفسه، وفي الأطر العمالية والتقنية نفسها، في واحدة من أجمل رواياته، ولكن، ويا للغرابة، من أقلها شهرة، وهي “الأبيض المسكين” التي نشرت عام 1920، لتسجل انعطافة في تاريخ الأدب الاجتماعي الأميركي لا تقل قوة عن الانعطافات التي ارتبطت بأبناء جيل أندرسون، وعلى رأسهم سنكلير لويس، ومن قبلهم آبتون سنكلير.ففي ذلك الحين، بعد انقضاء الحرب العالمية الأولى التي شهدت أول خروج عسكري – ومن ثم سياسي “أخلاقي” المظهر وفق السياسيين الأميركيين وقتها – للولايات المتحدة إلى العالم، كان لابد للأدب أن يستعير من العالم قضاياه ومن أوروبا الاجتماعية أساليبها ليتمكن من تصوير ما كان يحصل داخل المجتمع الأميركي. ولقد كان سنكلير لويس وشروود أندرسون ورفاقهما من بين الذين جعلوا تلك السمات تطبع أدبهم بقوة. فما الذي فعله، أو قاله، شروود أندرسون في هذه الرواية؟ هو على عكس شابلن تماماً. عالج الموضوع نفسه الذي سيعالجه هذا الأخير في “الأزمنة الحديثة” ولكن من وجهة نظر أتت “من فوق”: من وجهة نظر أصحاب العمل ومخترعي الآلات الحديثين انفسهم. ومن هنا نظرة كثر من النقاد إلى أن “الأبيض المسكين” تشكل، مستبقة فيلم شابلن، نسخة ساخرة وسوداوية منه.أسطورة النجاحالشخصية المحورية في هذه الرواية شاب في الـ20 من عمره يدعى هيو ماكفاي. وهو شاب وسيم ممشوق القامة، همه الأساس في حياته أن يتمكن بأية طريقة من الطرق من أن يفلت من نزوعه الدائم والعميق إلى الكسل، أي إلى العيش من دون فعل أي شيء. ولسوف ينتهي به الأمر إلى الوصول إلى مدينة بدويل في ولاية أوهايو الأميركية، حين يتمكن من اختراع آلة تتولى زراعة الملفوف تلقائياً ومن دون أية جهود حقيقية. وإذ يختبر أهل المدينة هذا الاختراع ويدركون جدواه وكيف أنه سيغيّر حياتهم، يصبح هيو بطلهم من دون منازع، ويبدأون بتقديم آيات الاحترام له، معتبرينه محقق الحلم الأميركي الحقيقي الأول. وهو، بهذه الصفة، يصبح المثال الذي يتعين أن يحتذى، والسيد الذي يجب أن يطيعه الجميع. شيروود أندرسون (غيتي)​​​​​​​ومن خلال طقوس التبجيل والاحترام اليومية التي يقدمها سكان بدويل لهيو ماكفاي، يقدم لنا شروود أندرسون، وبتلك الطريقة الفذة التي لا يتقنها إلا ذلك النوع من الروائيين الاجتماعيين الأميركيين، مجموعة من “البورتريهات” لسكان المدينة. ونحن القراء، ما إن نتمعن في تلك “البوتريهات” حتى ندرك أننا لسنا أمام سكان مدينة بدويل، بمقدار ما نحن أمام أميركا كلها. أميركا الرواد الذين سعوا كثيراً إلى تحقيق الحلم الأميركي فكان النجاح من نصيب كثر منهم – أو هذا ما تقوله الأسطورة في الأقل، ويصوره لنا شروود أندرسون بأسلوبه الساخر اللئيم، الذي سيثبت في نهاية الأمر أن العكس هو الصحيح – وكان الإخفاق، في المقابل، من نصيب الآخرين.بين الناجحين والفاشلينوهكذا يضعنا الكاتب من خلال ذلك التقابل في صورة ذلك المجتمع، متأرجحين بين “الناجحين” والآخرين الذين فاتهم قطار الحلم. ومن الواضح أن هذا التقابل هو الذي أراد أندرسون أن يجعله الموضوع الرئيس في رواية عرفت باكراً كيف تصور، من خلال عبادة الرواد الناجحين، عبادة المال والنهم إلى تصنيع أميركا مهما كانت النتائج وبأي ثمن كان. ولعل ما يعزز هذا المنطق الذي يصوّره أندرسون بتهكمه هو تلك الأسطورة التي يتحول إليها البطل: الأسطورة التي تنطلي على بسطاء الناس – أي، في رأيه، على الأميركيين في مجموعهم – لكن الكاتب يتواطأ مع قارئه لفضحها. ومن خلال ذلك، وصولاً إلى تقديم صورة قاسية وحادة للكائنات البشرية – التي هي، هنا، وقود كل شيء – تصورها في مجموعها “ذكية وحمقاء” في الآن عينه. لكن ذكاءها وحمقها هذين، ليسا كما يقول لنا أندرسون، قضاءً منزلاً، بل هما مشغولان اجتماعياً ومن فوق، في شكل يؤهل هؤلاء الناس، من ناحية، للشعور بالتميز على الآخرين، ومن ناحية ثانية، لتسليم قيادهم إلى الزعماء المرسلين من لدن الأقدار.والحقيقة أن من يقرأ هذه الرواية التي تعود أحداثها إلى عشرينيات القرن الـ20، ويتمعن في حال “الأكثرية الصامتة” الأميركية اليوم، سيدهشه أن يكتشف عن أن هذه الأكثرية لم تتطور أبداً، ولم تتعلم شيئاً خلال ما يقرب من مئة عام. وكيف أن التاريخ، سياسياً وأخلاقياً واجتماعياً، يبدو وكأنه يكرر نفسه. وفي هذا المعنى، حتى وإن كان الباحثون في تاريخ الرواية الأميركية يمتنعون عن حسبان شروود أندرسون بين كتاب الصف الأول من أبناء جيله، بالنسبة إلى تقنيات الكتابة نفسها، كما بالنسبة إلى لغته وأسلوبه، فإنهم لا يتوانون عن اعتباره من الطبقة الأولى من ناحية حساسيته الاجتماعية وقدرته على التوغل في عمق أعماق السيكولوجيا الاجتماعية، بحيث قيل دائماً إنه يكاد يكون، إلى جانب سنكلير لويس وجون دوس باسوس، من أفضل الذين كتبوا الروايات الاجتماعية الأميركية خلال النصف الأول من القرن الـ20، إلى درجة أن من يقرأ رواياتهم، سيكون الوحيد الذي لن يدهشه التحوّل الخطر الذي طرأ على المجتمع الأميركي ما إن اندلعت أزمة الكساد الاقتصادي بدءاً من انهيار بورصة نيويورك في خريف عام 1929.من الصناعة الى الكتابةولنضف إلى ذلك أن شروود أندرسون (1876 – 1941) كان على أية حال قادراً على التوغل في عقلية العمال وأرباب العمل – أي القطاع الأعرض من الشعب الأميركي – انطلاقاً من أنه بدأ حياته رب عمل حين كان هو نفسه يمتلك مصنعاً، وكان عليه أن يمضي حياته في تلك المهنة، لولا اكتشافه في نفسه رغبات كتابية وتعبيرية قوية منذ صار في الـ40 من عمره. وهكذا راح يتخلى عن العمل الصناعي بالتدريج ليكتب روايات وقصصاً قصيرة تقف في مضامينها عند نقطة التلاقي – أو الفصل إذا شئتم – بين تيار الواقعية التقليدية في الأدب الأميركي، وتيارات “الجيل الضائع” الذي كان أندرسون من رواده والبادئين به.ومن أشهر روايات شروود أندرسون، إضافة إلى “الأبيض المسكين”، “ابن وندي ماكفرسن”، و”واينسبرغ – أوهايو”، و”انتصار البيضة”، و”أحصنة ورجال”، و”ربما امرأة”، و”ما وراء الرغبة”. ولقد حُوّل بعض رواياته إلى أفلام، كما إلى مسرحيات. وفي هذا المضمار يتفكه عدد كبير من المعلقين على نتاجات شيروود الإبداعية بالقول إن ما يحير على الدوام لديه إنما يتعلق بمعرفة كيفية التفريق بين ما كتبه للمسرح وما كتبه للفن السابع وما أنتجه مباشرة ليصدر في كتب مطبوعة.https://www.independentarabia.com/node/645045/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D9%8A%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%83%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%B4%D8%A7%D8%A8%D9%84%D9%86The post “الأبيض المسكين” تقرأ الحلم الأميركي قبل شابلن appeared first on صحيفة مداميك.