بقلم: سيد احمد مضوي / المحاميأولاً: تمهيديثير إعلان لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 عن استئناف أعمالها سؤالاً قانونياً محورياً يتجاوز الإطار الداخلي، وهو:هل تملك اللجنة صفة قانونية تخوّلها التقاضي خارج السودان، وبالأخص أمام المحاكم الدولية أو الوطنية الأجنبية، باسم الدولة السودانية؟هذا السؤال يقع في تقاطع معقّد بين القانون الدولي العام، وقانون الإجراءات، ونظرية الاعتراف، ويستلزم التمييز بين الشرعية السياسية والصفة القانونية (Standing).ثانياً: مبدأ تمثيل الدولة في القانون الدوليالأصل المستقر في القانون الدولي أن:الدولة لا يمثلها أمام الغير إلا الحكومة المعترف بها دولياً.تؤكد ذلك قواعد العرف الدولي، وممارسة الدول.كما يرتبط بمفهوم الاعتراف بالحكومات (Recognition of Governments).مرجع:Shaw, Malcolm – International Law, 8th ed., Cambridge University PressCrawford, James – Brownlie’s Principles of Public International Lawوبالتالي:الأمم المتحدة، وفق المادة (4) من الميثاق، تتعامل مع الدولة عبر حكومتها المعترف بها.المحاكم الأجنبية تعتمد ذات المعيار (Doctrine of Recognition).النتيجة: أي كيان غير معترف به كحكومة لا يملك – من حيث الأصل – صفة تمثيل الدولة أو التقاضي باسمها.ثالثاً: تطبيق ذلك على لجنة التفكيكلجنة التفكيك:ليست حكومة قائمةولا تحظى باعتراف دوليوقرار حلها (بصرف النظر عن تقييمه السياسي) قائم من منظور “النظام القانوني السائد”.وبالتالي: لا تملك اللجنة صفة التقاضي باسم السودان كدولة ذات سيادة(سواء أمام محكمة العدل الدولية أو المحاكم الوطنية الأجنبية)مرجع تطبيقي:Case Concerning Monetary Gold (ICJ, 1954) – يرسّخ مبدأ أن تمثيل الدولة لا يكون إلا عبر سلطتها المعترف بها.رابعاً: هل يمكن إعادة تكييف اللجنة كفاعل غير حكومي؟1. من حيث المبدأيمكن – نظرياً – إعادة تقديم اللجنة كـ:منظمة مجتمع مدني (NGO)أو جهة تمثل ضحاياأو كيان حائز على توكيلات خاصةمرجع:Alston & Goodman – International Human RightsCassese – International Law2. حدود هذا المسارحتى في هذا التكييف، تواجه اللجنة قيوداً صارمة:(أ) الصفة (Standing)يجب إثبات مصلحة مباشرةأو تمثيل قانوني واضح لضحايا محددين(ب) الاختصاص القضائي (Jurisdiction)وجود رابط قانوني بالدولة المعنية (مثل مكان وقوع الجريمة أو وجود أصول)(ج) طبيعة المطالباتيمكن:رفع قضايا حقوق إنسانقضايا غسل أموال مرتبطة بجرائملا يمكن:المطالبة بأموال “الدولة السودانية” ككيان سيادياسترداد أصول سيادية دون تفويض حكوميمرجع قضائي:Kiobel v. Royal Dutch Petroleum (US Supreme Court, 2013) – قيود الاختصاص خارج الإقليمFilártiga v. Peña-Irala (US, 1980) – قبول دعاوى حقوقية عبر أفرادخامساً: إشكالية استرداد الأموال (Asset Recovery)استرداد الأموال المنهوبة يخضع لنظام قانوني دقيق، أبرز مصادره:اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)المادة (51): استرداد الموجودات “مبدأ أساسي”لكن عبر:تعاون بين الدولطلبات رسمية (Mutual Legal Assistance)النتيجة: أي مسار فعال لاسترداد الأموال يتطلب دولة معترف بها، وليس كياناً موازياً.سادساً: البعد السياسي مقابل القانونيموقف اللجنة القائم على:إنكار مشروعية حلهاالتمسك بشرعية الثورةهو: موقف سياسي مشروع في سياقهلكن في المقابل: النظام القانوني الدولي يعمل وفق:الاعتراف الفعلي (Effectiveness + Recognition)، وليس الشرعية الثوريةمرجع:Hans Kelsen – General Theory of Law and State (فكرة الفعالية)Talmon, Stefan – Recognition of Governments in International Lawسابعاً: خلاصة تحليليةيمكن تلخيص الوضع في المعادلة التالية:لا صفة للجنة لتمثيل السودان دولياً يمكن نظرياً التحرك كفاعل غير حكومي عملياً: نجاح محدود بسبب:صعوبات الإثباتغياب التعاون الدولي الرسميالاعتبارات السياسية للدولثامناً: الخلاصة الفكريةالإشكال الحقيقي ليس قانونياً محضاً، بل هو تعبير عن فجوة أعمق:الفجوة بين “الشرعية الثورية” و“الشرعية القانونية الدولية”.وفي هذه الفجوة:تتحرك اللجنة سياسياًبينما يقيدها القانون الدولي مؤسسياًصياغة مكثفة ختاميةليست المشكلة في أن اللجنة تفتقر إلى الرغبة في التقاضي،بل في أنها تحاول ممارسة حق لا يُمنح إلا لمن يملك الاعتراف الدولي، وهو شرط قانوني لا يُكتسب بالشرعية السياسية وحدها.The post لجنة التفكيك.. إشكالية الصفة في التقاضي الدولي بين الشرعية السياسية وحدود الاعتراف القانوني appeared first on صحيفة مداميك.