جاك واتلينجأثار قرار الولايات المتحدة وإسرائيل مهاجمة إيران صدمات اقتصادية عالمية. فقد مُنع نحو 20% من إمدادات النفط العالمية من عبور مضيق هرمز منذ أن بدأت إيران مهاجمة السفن، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. عسكرياً، ورغم امتلاك الولايات المتحدة القدرة النارية الكافية للحد بشكل كبير من قدرة إيران على ضرب السفن في المضيق، فمن غير المرجح أن تتمكن من القضاء على التهديد تماماً.وبالتالي، فإن إعادة فتح المضيق لا يتعلق فقط بالقدرات العسكرية ولكن أيضاً بالدبلوماسية، ومن الضروري للتفاوض بشأنه فهم ما يحاول كل طرف من أطراف النزاع تحقيقه.بالنسبة للحكومة الإيرانية، كان الهدف من ترسانتها من الصواريخ الباليستية ردع أي عدوان مباشر، مما يسمح للبلاد بإخضاع خصومها عبر وكلاء عنيفين دون التعرض لأي رد فعل. إلا أن هذا الردع قد فشل. فكرة إمكانية مهاجمة إيران كلما أغضبت أفعالها خصومها أمر غير مقبول بتاتًا، ولذا تسعى الحكومة الإيرانية إلى إعادة ترسيخ مبدأ الردع من خلال فرض تكلفة باهظة على الاقتصاد العالمي بحيث لا يُنظر في شن المزيد من الهجمات. وتتمثل آلية تحقيق ذلك في إغلاق مضيق هرمز.يخشى المجتمع الاستراتيجي الأمريكي من أن محاولة الصين ضم تايوان عام 2027 قد تُدخل العالم في صراع عالمي طويل الأمد ومتزامن. ولتحقيق هذه الغاية، تسعى الولايات المتحدة إلى إزالة التهديدات التي تواجه عملياتها العالمية خارج منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وذلك من خلال فرض سيطرة قسرية على فنزويلا، والقضاء على القدرات العسكرية الإيرانية، وتحييد أي حكومة معادية في كوبا. ونظرًا لقوة الردع النووي الروسية، لا يمكن تقليص نفوذ روسيا إلى هذا الحد، ولذا تحاول الولايات المتحدة تهيئة الظروف التي تمنع الكرملين من التدخل في أي مواجهة أمريكية صينية. وفي حال فشل ذلك، تطالب الولايات المتحدة حلفاءها الأوروبيين بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم. وبالتالي، تقتصر الأهداف العسكرية الأمريكية ضد إيران، كما أوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، على تدمير المواقع الصناعية العسكرية الإيرانية وقدراتها الهجومية. أما الأهداف السياسية الأمريكية، فهي أوسع نطاقًا.نظرياً، لو كانت هذه هي المتغيرات الوحيدة، لكان من الممكن أن تُلحق الولايات المتحدة ضرراً بالغاً يجعل إيران واثقة من عدم قدرتها على تهديد قواعدها أو عملياتها العالمية لفترة طويلة، وأن يثبت الإيرانيون قدرتهم على فرض عقوبات اقتصادية على أي مهاجم، ما يسمح للطرفين بتهدئة الموقف وإعلان النصر. إلا أن هذه ليست المتغيرات الوحيدة المؤثرة.اقترح دونالد ترامب مجموعة من الأهداف السياسية التي تتجاوز بكثير مجرد إضعاف القدرة الضاربة لإيران، بدءًا من فرض سيطرة قسرية على القيادة الإيرانية المستقبلية، وصولًا إلى تغيير النظام. ورغم أن الرئيس الأمريكي معروف بمرونته في التمسك بتعريفاته السابقة للنجاح، إلا أن ما يظل ثابتًا هو رغبته في الظهور بمظهر المنتصر. ويصعب التوفيق بين هذا الشرط الأخير وحاجة إيران إلى إعادة ترسيخ الردع، وبالتالي الحصول على الكلمة الأخيرة.تزداد المفاوضات تعقيدًا بسبب أهداف إسرائيل. فمن المرجح أن إسرائيل ترغب في انهيار النظام الإيراني أو انزلاق إيران إلى صراع داخلي، ما يطيل الفترة الزمنية اللازمة لتعافيها وقدرتها على تشكيل تهديد لإسرائيل. وقد صرحت إسرائيل بأنها ستسعى لاغتيال أي شخص يصل إلى السلطة في طهران، بينما يرغب ترامب في وصول شخص إلى السلطة يُظهر ولاءً للولايات المتحدة. وفي حين أن إسرائيل قد تقبل بإنهاء الحملة إذا انسحبت الولايات المتحدة، فإنها ستشن أيضًا ضربات جوية تُصعّب المفاوضات، ما يُطيل الفترة التي يمكن لسلاح الجو الإسرائيلي خلالها محاولة إضعاف موارد إيران وقدراتها وأدوات سيطرة النظام.من الجانب الإيراني، ورغم رغبة الحكومة في خفض التصعيد، فإن بعض عناصر الحرس الثوري الإسلامي تسعى للانتقام، وستحاول قتل أمريكيين في الخليج وخارجه لفترة طويلة. ونظرًا لتشتت القيادة والسيطرة الإيرانية، قد تستمر عناصر معزولة من الحرس الثوري في مهاجمة السفن حتى لو كانت الحكومة تسعى للتفاوض لإنهاء الصراع. ومع استمرار هذه الهجمات، سيصعب على الولايات المتحدة الانسحاب.يُعد الكرملين عاملاً آخر يُحتمل أن يُعقّد الوضع. ففي عام 2023، أجرى مسؤولون روس تقييمات للأحداث الدولية التي يُمكن أن تُساعد في مجهودهم الحربي ضد أوكرانيا. وكانت أبرز الأحداث العالمية التي تم تحديدها هي تصعيد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأزمة مضيق هرمز، ومحاولة الصين ضم تايوان. ولذلك، فإن لدى روسيا كل الحوافز لإطالة أمد هذه الأزمة – التي تجني منها عائدات ضخمة من مبيعات النفط – طالما أنها تستطيع تجنب التدخل المباشر بالنسبة لدول الخليج وأوروبا، ثمة رغبةٌ جامحةٌ في إنهاء الأزمة سريعًا. فاستمرارها يُنذر بضررٍ دائمٍ للبنية التحتية الاقتصادية في الخليج، وأزمة طاقةٍ قد تستنزف إيراداتٍ تحتاجها أوروبا لتعزيز دفاعاتها. ولكن طالما احتفظت إيران بقدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ستبقى المفاوضات شاقة. وتأمل الولايات المتحدة في ردع الحكومة الإيرانية عبر ضرباتٍ أوسع نطاقًا تُجبر الحرس الثوري على التراجع. ولكن بعد أن أصبح الوضع مصيريًا بالنسبة للحكومة الإيرانية، سيكون من الصعب إجبارها على التوصل إلى حلٍ وسط. لذا، لا ينبغي لنا أن نعوّل على حلٍ سريعٍ للأزمة.الدكتور جاك واتلينغ باحث أول في مجال الحرب البرية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن. وهو مؤلف كتاب “فن الحكم: القواعد الجديدة للسلطة في عالم منقسم” (ماكميلان).The post مضيق هرمز أقوى إيران أوراق ضد ترامب وإسرائيل appeared first on صحيفة مداميك.