صلاح الزينالسياسة ليست عِلمًا مختبريًا يتم اختباره في المعامل. تحتاج الممارسة السياسية إلى فضاء وتاريخ. فضاءٍ جغرافي مشمولٍ بتاريخٍ حتى لا يفلت المكان من الذاكرة.الفضاء الجغرافي يتم تعيينه بذاكرة المكان، أي التاريخ، ما علق في ذاكرة المكان من أحداث هي هي نِعلاتُ المكان ونسيجُ قوامِهِ الذي يُعرِّفُهُ. وذاكرة المكان هي هي ما مارسهُ الناس في ذاك الحيز، يُعرِّفونه وبهِ يَتعرَّفون.فالتاريخُ ليس سجادة تُطوَى بعد مراسم الاستقبال فيبقى عطر المستقبَلين وصدى الكاميرات وأضواؤها.كذلك هي حرب أبريل 2023 وما تستوجبه مقاربتها السياسية والتي، بالضرورة، أنْ تكون ضمن ذاك السياق، جغرافيًا وتاريخيًا. ومن ثَم كان سؤال “من أطلق الرصاصة الأولى”، كسؤالٍ به تُفتَتَحُ قراءة خطاب حرب أبريل، سؤالًا يفتقر إلى المعرفة النقدية والتفكيكية لقراءة كِلا السياق وتاريخه، أي سؤالاً تبسيطيًا أقرب إلى مساءلة السديم والعدم منه إلى سؤال معني بالماثل، الواقعي والهناك، وتنقصه مقومات أنْ يكونَ سؤالًا يُعتد به ويفضي إلى إجابة تليق به ومعقوليته.بالاتكاءِ على سؤال “من أطلق الرصاصة الأولى”، كعَتَبةٍ مفاهيمية ومنهجية لقراءة وتفكيك خطاب حرب أبريل 2023، سقطَتْ قوى الحرية والتغيير (قحت)، باكرًا، في عجز المقاربة التاريخية لخطاب الحرب وليكون بذلك سقوطها اللاحق والمستمر في كيفية الإجابة ومن ثَم التعاطي مع موضوعة كيفية إيقاف أو إنهاء الحرب.سقطت (قحت) مبكرًا إثر سقوطها في طرح سؤال الحرب بالاستناد على ترسيمة من أطلق الطلقة الأولى. وذلك كان سقوطها الأول: تجريف وتعرية خطاب حرب أبريل من السياقات التاريخية التي أنجبَتها، بل حتّمت ضرورتها. لفّت عُنُقها بسؤال من أطلق الطلقة الأولى وبعجز السؤال وشحوب السياق سقطَتْ في العدم والسديم بانتزاع السؤال من السياق وتاريخه. وبهذا السقوط أسلَمتْ عنقها للحبل الخارجي، الإقليمي والدولي، لمقاربة كيفية إيقاف الحرب. وهذا الأخير كان عتبة سقطاتها والذي تبدَّى فيما تبعه من تناسل الأسماء، (تقدُّم)، (صمود)، (تأسيس)، لا يعدو كونه مجرد تحاشٍ وتحايلٍ للاصطدام بجدار السقوط الماثل في مساءلة خطاب الحرب بالاستفسار عمَّن أطلق الطلقة الأولى عِوضَ تفكيك السياق التاريخي لذات السؤال بالبحث عن جينالوجيا شجرة نَسَبِ السؤال وحُفرة ميلاده.كان صباحُ يومٍ من يناير 2024، والحرب لم تكمل عامها بعد، مؤشرًا لمنحنىً علق بقوس خطاب الحرب وما تلى ذلك من ارتحالات متباينة إنْ على منهجية مقاربة سؤال الحرب أو كيفية التعاطي عمليًا مع السؤال. فقد التقت قوى الحرية والتغيير (قحت)، بنعلها وزيها الجديد (تقدُّم)، بزعيم مليشيا الجنجويد، “حميدتي”.وكان من ضمن مخرجات ذاك اللقاء التوصية بأن تُكوَّن مجالسَ بلديةٍ ومحلية في مناطق سيطرة الجنجويد لإدارة الشأن العام في تلك المناطق. وقد كان هذا اللقاء ومخرجاته البذرة التي أنبتت ما تلى من اصطفافات إلى جانب مليشيا الجنجويد وبذريعة ادعائها خوض الحرب ضد قوات الفلول.والحرب بكل رشاقة ترتدي زي ميلادها الثالث، لا زال العقل الناظر إليها يتفحص جسدها وقوامها ليزيح عن كاهله سؤال: من أطلق الطلقة الأولى، لا الحرب على مقربة من تحرير شهادة موتها ولا السؤال حول مَنشَئِها بقادرٍ أن يترجَّل من على كتف أنيميا السؤال ووضاعته.هكذا كان سؤال من أطلق الطلقة الأولى، الرصاصة التي شطرت برتقالة قوى الحرية والتغيير إلى نصفين: (صمود) و(تأسيس) في فبراير 2025.(انظر مقالنا: تصمت (صمود) لتتكلم (تأسيس) فيكتمل القول:في الاقتصاد السياسي للصمت والكلام- مداميك 21/11/2025).لم تكن حكومة الانتقال، بقيادة قوى الحرية والتغيير (قحت)، التي أعقبَتْ ثورة الديسمبريين سوى مقبرة لطمر كل شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة. لم تؤول السلطة للشعب كما الشعار الديسمبري: “السلطة سلطة شعب، الثورة ثورة شعب”، ولم ينتهِ العسكر في الثكنات ولا الجنجويد قد حُلُّوا، بل تهافتت (قحت) وتحالفت مع كليهما وما أعقبَ ذلك من أحداث، انقلاب 25 أكتوبر 2021 وانفجار الحرب في أبريل 2023. فقد أَسستْ حكومة الانتقال أُولى خطواتِها، وهي في السلطة، ببناءِ دَرَجِ الخروج مِن ما نادى به الديسمبريون مِن شعارات وصاغوها في إنجيلهم (الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب) والذي كان أطروحة سياسيّة قَرأَتْ بعينِ الاقتصاد السياسي تناقضات بنية الدولة الكولونيالية منذ الاستقلال وكيفيّة الخروج من انحباساتها وأزمتها البنيوية الممتدة. فانفجرت تناقضات تلك البنية السياسية والفكرية والطبقية حربًا في أبريل 2023، فيما يبدو، وكأنها حربُ حَتْمِ ضرورة لا مناص منها، قوامُها رأسَيْ “جانيوس”، فلول وجنجويد. (انظر:السودان: في سيرة خطاب حرب أبريل 2023، الجزء الأول، صلاح الزين، دار المصورات، القاهرة، 2025).ومرة أخرى تُخطئ قوى الحرية والتغيير (قحت) قراءة تناقضات خطاب البنية الكولونيالية، السياسية والفكرية، التي لازمَتْ الدولة السودانية منذ الاستقلال في 1956، بقراءة خطاب حرب أبريل، كحرب بين رأسَيْ “جانيوس”، فلول وجنجويد مقروءًا بسؤال “من أطلق الرصاصة الأولى”، لتنتهي بانشطار برتقالتها إلى نصفين: (صمود) و(تأسيس). يتبادلان الصمت والكلام فيكتمل قولُهُما وفق منهجٍ ورؤيةٍ توسَّلتْ قراءة خطاب الحرب وفق منهجٍ يَقرأ الظاهرة خارج قمطها الاقتصاد سياسي ونزعها من سياقاتها وسيروراتها التاريخية. اُستُبدل السياق والتاريخ بالاصطفاف لأحد رأسَيْ “جانيوس” وحَلَّتْ البندقيةُ محل شعارات الديسمبريين “الحرية والسلام والعدالة وسلطة الشعب”.بالنتيجة غُيِّبَ الشعبُ وقواهُ السياسية والمدنية كفاعلٍ سياسيٍ في التعاطي مع سؤال الحرب وكيفية لَجْمِها ومِن ثَم اللجوء إلى الخارج، الإقليمي والدولي، للبحث عن ما عجزت عنه، لعجزها البنيوي لمقاربة خطاب الحرب وتَبدِّياتها. فانتهت برتقالة (قحت) بشطريها (صمود) و(تأسيس) إلى ما ينتهي دومًا إليه العاجز: أنْ توزعت وارتهنت لمصالح قوى إقليمية ودولية عيْنُها على ما يمتاز به السودان من موارد وموقع جيوسياسي في الخارطة القارية والعالمية.ولتأكيد عجزها البنيوي ورثاثتها الفكرية والسياسية كان احتفاء كلا نِصفَيْ البرتقالة احتفاءً مشهودًا بإعلان الإدارة الأمريكية جماعة الإخوان المسلمين تنظيمًا إرهابيًّا، وهي ذات الجماعة الإسلامية التي، وبعد ثلاثة عقود من سيطرتها، أطاحت بها ثورة الديسمبريين !!! (انظر مقالنا: عندما يُخفي النظرُ للأشجار رؤية الغابة: أو في استحالة أنْ يكون الإله “جانيوس” برأس واحدة. – صحيفة مداميك، ديسمبر 2025 ).كِلا نصفَيْ البرتقالة، (صمود) و(تأسيس)، وكأيِّ نصفَيْ برتقالة، لهما نفْس الطعم والرائحة والعقل والنَسَب الفكري والطبقي الذي لا يَرى مخرجًا وحَلًّا لحرب أبريل سوى الاعتماد على ما يمكن أن يأتي من خارج الحدود، إقليميًا ودوليًا، فاستظلتْ ومكثت تحت شجرة الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر والإمارات) تترقب سقوط الثمرة التي لن تفضي، منطقًا، سوى إلى قضمها، مناصفةً، بين (صمود) و(تأسيس)، (قحت في ثوب تغريبتها الأخير !!) ورأسَيْ الإله “جانيوس”، فلول وجنجويد، وهو، كما كان سابقًا، جالسًا على ذات عرش ربوبيته!!شراكة الدم التي، ذات شعار، قال بها الديسمبريون والديسمبريات.The post حرب أبريل في مرايا “صمود” و”تأسيس”: أو عندما تُخفي المرآة صورة التاريخ والسياق appeared first on صحيفة مداميك.