أوكرانيا، السودان، أو أفغانستان: لماذا لا تتساوى جميع الحروب في الأهمية؟

Wait 5 sec.

رامون كويردا ريفافي تصنيف الخسائر اليومية في النزاعات الحالية، تحتل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران -رغم الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز- المرتبة الثالثة، حيث تتراوح الخسائر بين 75 و90 قتيلاً يومياً.  وتسبقها في الترتيب الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي يُسفر عن حوالي 1000 قتيل يومياً ، مع توقعات بوصول الخسائر إلى مليوني قتيل بحلول عام 2026، والحرب الأهلية في السودان، التي تُسفر عن نحو 300 قتيل يومياً ، ثلثهم في المعارك والباقي بسبب المجاعة. أما في المرتبة الرابعة، فتأتي الحرب المعلنة بين باكستان وأفغانستان، والتي تُسفر عن حوالي 40 قتيلاً يومياً.إن النظرة الغربية للحرب، سواء من اليمين أو اليسار، انتقائية للغاية. فالسينما مليئة بأفلام عن الحرب العالمية الثانية تُصوّر قصف لندن، الذي أودى بحياة نحو 40 ألف شخص. ومع ذلك، يصعب العثور على أفلام تتناول قصف دريسدن أو هامبورغ أو كولونيا، الذي خلّف ما يقارب 400 ألف ضحية، أو عن هجوم النابالم على طوكيو في مارس 1945، الذي يُعتبر أعنف غارة جوية في التاريخ في ليلة واحدة، حيث حصد أرواح نحو 100 ألف شخص.لكن بعيدًا عن هذه الرواية الجزئية، يبرز سؤال لا مفر منه: حتى لو لم تعد هذه الحروب تتصدر عناوين الأخبار، فكيف تتطور الحروب الأخرى التي لا تزال تؤثر على العالم؟أوكرانيا: الحرب التكنولوجية تدخل مرحلة الاستنزافاعتبارًا من مارس 2026، دخلت الحرب في أوكرانيا مرحلة استنزاف تكنولوجي حاد وتحركات تكتيكية محلية، مبتعدةً عن الهجمات واسعة النطاق التي شهدتها السنوات السابقة، مع الحفاظ على مستويات عالية للغاية من العنف.نجحت كييف في اختراق خطوط الدفاع في قطاعات محددة، مثل مقاطعة دنيبروبيتروفسك والمناطق القريبة من هوليايبولي، معتمدةً على جيل جديد من الطائرات المسيّرة ذاتية القيادة القادرة على العمل دون إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). وفي الوقت نفسه، نقلت الصراع إلى الأراضي الروسية عبر هجمات واسعة النطاق بطائرات مسيّرة على موسكو ومراكزها اللوجستية، بهدف الضغط على السكان والاقتصاد الروسي على حد سواء.على الصعيد الدولي، عزز الاتحاد الأوروبي دعمه بتمديد العقوبات المفروضة على روسيا حتى سبتمبر/أيلول 2026، مستهدفاً أكثر من 2600 كيان في محاولة لخنق آلة الحرب الكرملينية. مع ذلك، اتخذت الولايات المتحدة منعطفاً غير متوقع في سياستها العقابية – على عكس موقف حلفائها في الناتو، مدفوعةً بعدم الاستقرار في الشرق الأوسط – مما سمح لروسيا ليس فقط بالحفاظ على صادراتها النفطية، بل أيضاً بزيادة إيراداتها بشكل ملحوظ.تشير جميع الدلائل إلى أن عام 2026 سيصبح عام “الحرب الروبوتية”. وتراهن أوكرانيا على الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة لتعويض نقص قواتها مقارنةً بموجات التعبئة الروسية المتواصلة. وبحلول صيف هذا العام، يُتوقع أن يكون لتفوق الصناعة الغربية على إنتاج المدفعية الروسية دور حاسم في تشكيل مسار الصراع.السودان: أسوأ أزمة إنسانية في العالم، يتم تجاهلها إلى حد كبيرمع حلول مارس 2026، تجاوزت الحرب الأهلية في السودان ألف يوم، لتترسخ كأشد الأزمات الإنسانية إهمالاً في العالم.  ويتسم الوضع بتفتت جغرافي عميق وانهيار اجتماعي شبه كامل. لا يُعد هذا صراعاً أيديولوجياً، بل صراعاً على السلطة بين فصيلين عسكريين كانا حليفين في السابق، وكلاهما انبثق من النظام الديكتاتوري نفسه لعمر البشير، الذي حكم البلاد لثلاثة عقود.اليوم، السودان منقسم بحكم الأمر الواقع. فقد عززت قوات الدعم السريع ، وهي جماعة شبه عسكرية نشأت من ميليشيات قبلية عربية وتحولت إلى “جيش موازٍ” بمواردها الاقتصادية الخاصة – بما في ذلك مناجم الذهب – سيطرتها على منطقة دارفور بعد استيلائها على الفاشر في أواخر عام 2025. في الوقت نفسه، تحتفظ القوات المسلحة السودانية بقاعدتها الرئيسية في بورتسودان، شرق البلاد، وتسيطر على جزء كبير من شمال ووسط البلاد.لقد أصبح الصراع دولياً بشكل ملحوظ. وتشير التقارير إلى أن القوى الإقليمية تزود كلا الجانبين بالأسلحة، مما يسمح لآلة الحرب بمواصلة عملها على الرغم من فشل محاولات وقف إطلاق النار المتعددة.يُعدّ السودان الآن مركزاً لأكبر أزمة نزوح في العالم ، حيث أُجبر أكثر من 12.6 مليون شخص على الفرار من ديارهم. إضافةً إلى ذلك، يحتاج أكثر من 25 مليون شخص – أي نصف السكان – إلى مساعدات عاجلة للبقاء على قيد الحياة ، في حين تعاني مناطق بأكملها من المرحلة الخامسة من المجاعة، وهي أشدّ مراحلها.ومع ذلك، لم نشهد أي شارة أو لفتة أو احتجاج في مناسبات مثل حفل توزيع جوائز الأوسكار. ولا حتى كلمة واحدة “لا للحرب” في صراع أصبح فيه الجوع السلاح الأكثر فتكاً.باكستان وأفغانستان: حرب مفتوحة تزعزع استقرار المنطقةتصاعد الصراع بين باكستان وأفغانستان إلى ما وصفته إسلام آباد بـ”حرب مفتوحة”. في أواخر فبراير، شنّ الجيش الباكستاني عملية “الغضب العادل” ردًا على سلسلة من الهجمات على أراضيه. وشملت الحملة غارات جوية مكثفة على مدن مثل كابول وقندهار وباكتيا. وردّت قوات طالبان الحكومية بعملية “صدّ القمع”، التي جمعت بين عمليات توغل برية ضد مواقع عسكرية وهجمات بطائرات مسيّرة على مدن مثل كوهات وروالبندي.منذ 26 فبراير، سُجِّل ما لا يقل عن 289 ضحية مدنية في أفغانستان. ووقع أحد أخطر الحوادث في 17 مارس، عندما أسفر تفجير في كابول -بحسب مصادر طالبان- عن مقتل أكثر من 400 شخص في مركز لإعادة التأهيل، بينما تزعم باكستان أن الهدف كان بنية تحتية إرهابية.فرّ أكثر من 115 ألف شخص من مناطق القتال الحدودية، بينما لا تزال المعابر الرئيسية مثل توركام مغلقة أو تعرضت لأضرار هيكلية جسيمة، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة تصل إلى 40% في أفغانستان.ويتفاقم هذا التصعيد بسبب التوترات بشأن خطة باكستان لإعادة المواطنين قسراً، والتي تؤثر على ما يقرب من مليوني أفغاني ما زالوا في الأراضي الباكستانية تحت تهديد الاعتقال.في الوقت الحالي، رفضت إسلام آباد أي محاولة للحوار مع حكومة طالبان، واشترطت إجراء المحادثات على توقف كابول عن توفير الملاذ لحركة طالبان باكستان (TTP).المعيار الحقيقي: التأثير على حياتنا اليوميةاليوم، يواجه 1% من سكان العالم خطر الموت، سواءً بسبب العنف المباشر أو تبعاته، كالجوع. ومع ذلك، يمكن احتواء بعض الصراعات بسهولة نسبية – لو توفرت الإرادة السياسية – لكنها لا تُغذي خطابنا المعادي لأمريكا الرافض للحرب، ولا تُسبب لنا أي إزعاج في حياتنا اليومية: لا في جيوبنا ولا في محطات الوقود. وهكذا، في نهاية المطاف، لا يبدو أن أهمية الحرب تُقاس بعدد القتلى، بل بمدى تأثيرها على راحة المجتمعات الغربية.ضابط عسكري سابق وخبير أمني.نشر المقال علي الموقع  Digital Shield The post أوكرانيا، السودان، أو أفغانستان: لماذا لا تتساوى جميع الحروب في الأهمية؟ appeared first on صحيفة مداميك.