الإخوان المسلمون بين ادعاء الانفتاح وثبات البنية الفكرية المنغلقة

Wait 5 sec.

عبدالله الصادق الماحيمنذ نشأتها، ظلت حركة الإخوان المسلمين تقدم نفسها كتيار إصلاحي قادر على التكيف مع تحولات العصر وما عليه المجتمعات من اختلاف وتباين، إلا أن مسارها الفكري والسياسي يكشف عن تناقض جوهري بين خطابها المعلن وممارساتها الفعلية. ففي الوقت الذي تتبنى فيه لغة الانفتاح والتأقلم مع الواقع الاجتماعي والسياسي، تعود باللحظات الحاسمة إلى مرجعياتها الصلبة، التي تقوم على الانغلاق التنظيمي والاحتكام إلى رؤية أيديولوجية ضيقة لا تقبل المراجعة أو النقد او الرأي الغالب حتى عند مراجعها العليا. هذا التناقض ليس طارئًا، بل يمثل سمة بنيوية في فكر التنظيم الذي تأسس على أدبيات سيد قطب، التي أرست مفاهيم الحاكمية والصراع مع المجتمع، وأسست النظرة الإقصائية تجاه الآخر. وبرغم ادعاءات بعض قيادات التنظيم الاحقة خاصة في السودان بمحاولتها تجاوز هذا الإرث، فإن الواقع يثبت استمرار تحكمه العميق في بنية التفكير التنظيمي وآليات اتخاذ القرار والممارسات اليومية.تجربة حسن الترابي في السودان تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التناقض؛ فقد سعى إلى تقديم نفسه كمفكر مجدد يتجاوز الإطار التقليدي للتنظيم، ويؤسس لاندماج سياسي واجتماعي أوسع في الواقع الاجتماعي السوداني لكنه لم ينفك عن التنظيم قيد انملة. وظلت ممارسة تنظيماته السياسية التى أسسها تظهر التزامًا صارمًا بجوهر المشروع التنظيمي برغم تعدد واختلاف اسمائها، وبقيت قراراتها الحاسمة برغم المخادعة والاكاذيب في التعامل بداخلها ومع الاخر الوطني وباسم الدولة مع الاخر الدولي والاقليمي، محكومة وبشكل صارم بذات المرجعيات المغلقة، ولم يحدث فيها أي تحول حقيقي لا في بنية الفكر ولا في آليات العمل والممارسة.ولا يختلف الحال في تجارب أخرى، مع راشد الغنوشي في تونس والتيارات المرتبطة بأفكار عبدالله عزام وفي حركة الاصلاح باليمن، وتنظيمات مثل حماس وأخرى بالمغرب والجزائز، حيث يظهرون في خطاب سياسي ومظهر للكوادر عصري بالجاكتات ورباط العنق الغربي والاهتمام بالهندام والتمسح في محاولات كاذبة خادعة، في محاولات للتأقلم مع لغة العصر، لكنها لا تتجاوز المرونة التكتيكية الخداعة، التي يكذبها ثبات البنية الفكرية والتنظيمية وجميع الممارسات. ويظل القرار محتكرا داخل دائرة ضيقة عند قمة هذه التشكيلات، تغيب فيها الشفافية، ويقدم فيها الولاء التنظيمي والالتزام بمرجعياتهم الاساسية على أي اعتبارات وطنية أو مجتمعية وحتى فوق ماعليه الدين الاسلامي من قطعيات ملزمة للفرد المسلم ولأي جماعة من جماعات المسلمين ولأي مسلم قائم على أمور الناس وشئون الدولة على اي مستوى.وبالنظر الى تجارب جماعات أكثر تطرفًا مثل بوكو حرام والقاعدة وغيرها، لا يُخطئ الناظر، رغم اختلاف الدرجة، وجود أساس فكري قوي مشترك يتمثل في الانغلاق الأيديولوجي ورفض التعددية الفكرية والسياسية، وإن اختلفت أدوات التعبير والسياقات ودرجات المرونة المؤقتة والتكتيكية لبعض تنظيماتهم. فالتدرج في الخطاب لا يعني بالضرورة اختلافًا بالجوهر، بل هو مجرد وسيلة للخداع هدفها التكيف المرحلي لتجاوز الضغوط.في المقابل، تبدو تجاربهم ببعض الدول خارج الامتداد الاجتماعي العربي، مثل تركيا وماليزيا، مختلفة نسبيًا، حيث خضعت الحركات السياسية التي تبنت الايدلوجية الاخوانية، لتأثيرات اجتماعية وشروط سياسية قوية، حدّت من اندفاعها الأيديولوجي، واجبرتها لإعادة تشكيل خطابها وسلوكها بما يتناسب مع طبيعة تلك المجتمعات، ولم يكن ذلك نتيجة تحول داخلي عميق بالفكر، بقدر ما كان استجابة لضغوط البيئة المحيطة، وهو ما يفسر غياب مظاهر التطرف الصريح في تلك المجتمعات، مقارنة بسلوكهم داخل البيئات العربية. وعلى ذات النهج كان السلوك اكثر تطرفا بغرب افريقيا في بوكو حرام وفي افغانستان مع طالبان، اتساقا مع ما عليه الواقع المجتمعي المنغلق هناك والذي جعل شكل التنطيم يخرج كاملا ونموذجيا.خلاصة القول إن حركة الإخوان المسلمين، رغم تعدد أسمائها وتنوع تجاربها، ما تزال أسيرة بنية فكرية وتنظيمية مغلقة، تدّعي الانفتاح لكنها تمارس الانكفاء، وتُظهر المرونة لكنها ريثما تعود إلى التشدد عند اختبار السلطة وعند الأزمات الحرجة. وبين الخطاب والممارسة، تظل الفجوة قائمة، مما يؤكد عدم قدرة الحركة على التحول الحقيقي والاندماج بالمجتمعات وفي أنظمة سياسية تقوم على التعددية والانفتاح وقبول الآخر.في المقال القادم سأحاول تقديم نماذج من الشواهد على تجربة التنظيم في السودان تأكيدا على ما ورد في هذا المقال المختصر والمباشر.The post الإخوان المسلمون بين ادعاء الانفتاح وثبات البنية الفكرية المنغلقة appeared first on صحيفة مداميك.