عمار الباقرفي مطلع هذا الأسبوع، قاد أساتذة الجامعات إضراباً ناجحاً، مطالبين بزيادة الأجور وتحسين بيئة العمل. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذه الحركة المطلبية ذات الطابع النقابي لن تتوقف عند هذا الحد. فالمتابع لأوضاع العاملين والساحة النقابية في السودان يدرك جيداً أن الهوة بين الأجور وتكاليف المعيشة قد أصبحت سحيقة إلى درجة باتت معها الحياة شبه مستحيلة في ظل هذه الأجور.يحدث كل ذلك وجموع العاملين، الذين يمثلون عصب الحياة في الدولة، يشاهدون قادة الميليشيات وهم يمارسون النهب والتبديد في موارد البلاد تحت لافتة “حرب الكرامة”، والتي أجدني مؤمناً تماماً بأنها لن تتوقف، في ظل تحوّل الممسكين بزمام السلطة في كل من بورتسودان ونيالا من رجال دولة إلى مقاولي أنفار وسماسرة حروب. وكيف لا، وقد تحولت هذه الحرب إلى دجاجة تبيض لهم ذهباً. فأصبح حالهم كحال الحمار الذي أدخل رأسه في جراب الذرة، يعبّون من خيرات بلادنا وهم غافلون عما يدور حولهم.هل يظن هؤلاء أن الأوضاع ستستقر بهم وهم ينهبون خيرات البلاد على مرأى ومسمع من الجميع، ويبخلون حتى بالفتات على من يديرون دولاب العمل ويضطلعون بواجب تقديم الخدمات الأساسية للمواطن؟ لقد بلغ الظلم بهم مبلغاً جعلهم لا يستحيون من صرف مبلغ 700,000 جنيه (حوالي 200 دولار) شهرياً للأستاذ الجامعي في درجة البروفيسور، و150,000 جنيه (حوالي 40 دولاراً) للمحاضر، بل و50,000 جنيه (حوالي 14 دولاراً) كراتب شهري لفني المعمل أو الموظف داخل الجامعات السودانية.أما رواتب المعلمين، فقد تراوحت بين 100,000 جنيه للمعلم المبتدئ و400,000 جنيه للمعلم في قمة السلم الوظيفي التعليمي (الموجه). وأما حال الأطباء، فإنه يدعو إلى الأسى ، إذ إن نحو 90% منهم بلا وظائف داخل دولة ينهكها المرض، وتموت نساؤها أثناء الولادة، ويموت أطفالها بسبب سوء التغذية ونقص الرعاية الصحية الأولية. بل وبلغ الأمر بدولة الميليشيات أن أصبحت تطالب الأطباء المتدربين بدفع رسوم مقابل التدريب داخل المستشفيات الحكومية.كل هذا يحدث في مهن تُعد من المهن المميزة في ديوان الخدمة المدنية. أما إذا نظرنا إلى أوضاع من هم في أدنى السلم الوظيفي من موظفين وعمال، فإن الصورة تصبح أكثر قتامة؛ إذ يبلغ متوسط راتب العامل نحو 50,000 جنيه (حوالي 13 دولاراً) شهرياً، بينما يبلغ راتب الموظف نحو 90,000 جنيه (حوالي 25 دولاراً) شهرياً. وقد تم الاستيلاء على معظم الوظائف العمالية وملؤها بمهنيين يعملون كمهندسين ومحاسبين وغيرهم، لكنهم يتقاضون رواتب عمال بسبب طبيعة تعيينهم. أما الموظفون الذين يديرون العمل الإداري، فقد كادوا يختفون، باستثناء قلة من كبار السن الذين بقوا بحكم العادة والخبرة.يحدث كل ذلك، في وقت يتسابق فيه عديمو الضمير من قادة الميليشيات والقوات المسلحة على شراء الطائرات المسيّرة ومركبات الدفع الرباعي والأسلحة، وتجنيد الشباب لقتال بعضهم البعض، مستخدمين في ذلك موارد البلاد، التي كان الأولى توجيهها لإصلاح جهاز الدولة، وتوفير الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ومياه نظيفة وكهرباء، والاستثمار في رفع مهارات الشباب عبر مشاريع تنموية تعود بالنفع عليهم وعلى أسرهم وبلادهم.لن تتوقف حركة الاحتجاجات والإضرابات التي بدأها أساتذة الجامعات في ظل هذا الواقع المزري، بل سوف تستمر وتتوسع قاعدتها، إذ لم يعد أمام العاملين وقوى العمل والإنتاج خيار آخر. ولن يتوقف زخمها عند العاملين في جهاز الدولة، فهناك مئات الآلاف من العاملين في قطاعات مهمشة، مثل التعدين الأهلي والقطاع غير المنظم، يعانون من الظلم أضعاف ما يعانيه نظراؤهم من العاملين في جهاز الدولة.نحن على موعد مع حراك نقابي واسع وقوي، يراه البعض بعيداً ونراه قريباً، ويتعامل معه البعض كاحتجاجات مؤقتة، بينما نراه رافعة لثورة اجتماعية وسياسية تجرف هذا الواقع المختل، وتُسقط قادة الميليشيات ومجموعات الانتهازيين، وتمهد لإقامة البديل الوطني الديمقراطي، القائم على دولة القانون والمؤسسات والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.وإن غداً لناظره قريب.The post حين تعجز الرواتب وتنتعش الحروب: ملامح حراك نقابي قادم appeared first on صحيفة مداميك.