السودان بين وهم التغيير وأزمة الهيمنة: لماذا فشلت ثوراته حتى الان في بناء الدولة؟ (2-8)

Wait 5 sec.

بقلم: المنتصر أحمدواحدة من أكثر الأفكار رسوخاً في الخطاب السياسي السوداني خاصة في أوساط اليسار هي فكرة “الرأسمالية الوطنية” التي يمكن التحالف معها لبناء مشروع تنموي مستقل غير أن هذا المفهوم رغم حضوره الكثيف لا يصمد أمام الفحص التاريخي ولا التحليل البنيوي.فالتجربة السودانية تُظهر بوضوح أن الطبقات الرأسمالية المحلية لم تنشأ كقوة إنتاجية مستقلة بل كوسيط وظيفي داخل شبكة التبعية العالمية لم يكن تراكمها قائماً على تطوير الصناعة أو تحديث الزراعة أو توسيع السوق الداخلية بل على أنشطة ريعية واستخلاصيه مثل:التجارة المرتبطة بالاستيراد والتصديرالمضاربة الماليةالاحتكاروالاستفادة المباشرة من علاقات السلطةبمعنى أدق هذه الفئات لم تكن يوماً مرشحة تاريخياً لقيادة مشروع وطني لأنها لم تتشكل خارج بنية التبعية بل داخلها وبواسطتها فهي جزء من المشكلة لا من الحل.لكن الاكتفاء بهذا النقد التاريخي رغم أهميته يظل قاصراً إذ يفسر فشل “الرأسمالية الوطنية” في الواقع لكنه لا يفسر استمرار حضورها في الوعي السياسي وهنا تبرز ضرورة الانتقال إلى مستوى أعمق النقد الإبستمولوجي.إن استمرار استدعاء هذا المفهوم يعكس أزمة في أدوات التحليل ذاتها لا مجرد خطأ في التقدير السياسي ففي أحد أبعاده العميقة يستند هذا التصور إلى فهم خطي للتاريخ يفترض أن المجتمعات تمر حتماً بمراحل متعاقبة وأن لكل مرحلة فاعلها “الطبيعي” الإقطاع ثم البرجوازية الوطنية ثم الطبقة العاملة.غير أن هذا التصور يتجاهل تحولات الرأسمالية المعاصرة التي أعادت تشكيل شروط التراكم والهيمنة على نحو ألغى عملياً إمكانية تكرار التجارب الكلاسيكية للثورات البرجوازية فالرأسمالية في الأطراف ومنها السودان لا تعيد إنتاج المسار الأوروبي بل تُدمج في النظام العالمي بوصفها فضاءً تابعاً تُعاد فيه صياغة الطبقات وفق منطق التبعية لا الاستقلال.في هذا السياق يتجسد المأزق السوداني بوضوح فالفئات الرأسمالية التي نشأت تاريخياً هي في جوهرها فئات تجارية ومالية وريعية يقوم تراكمها على السمسرة والاحتكار والمضاربة والارتباط المباشر بالدولة وبالسوق العالمي هذه الفئات لا تمتلك مصلحة بنيوية في تطوير قوى الإنتاج أو توسيع قاعدة العمل المنتج بل تجد في إضعاف الإنتاج المحلي وتعميق التبعية شرطاً ضرورياً لاستمرار تراكمها.وعليه، فإن التمسك بمفهوم “الرأسمالية الوطنية” لا يعكس قراءة واقعية للاقتصاد بل يعكس قصوراً في المنهج التحليلي نفسه حيث يتحول المفهوم إلى أيديولوجيا تبريرية تُسقط على الواقع ما لا يحتويه، وتُعيق رؤية التناقضات الفعلية داخل المجتمع.المشكلة، إذن ليست في غياب “رأسمالية وطنية جيدة” بل في طبيعة التراكم نفسها.فالاقتصاد السوداني يتسم بضعف قوى الإنتاج وهيمنة القطاعات الريعية وتداخل رأس المال مع جهاز الدولة على نحو يجعل من الاحتكار القاعدة لا الاستثناء وفي هذا الإطار لا يكون التناقض الأساسي بين رأس مال وطني وآخر أجنبي بل بين منطق إنتاجي ومنطق احتكاري.ومن منظور ماركسي غرامشي لا يُفهم الاحتكار كظاهرة اقتصادية تقنية فحسب بل كعلاقة اجتماعية متكاملة تُعاد إنتاجها عبر مؤسسات متعددة:القانون والإعلام والتعليم والخطاب الديني وأنماط الاستهلاك.أي أن الهيمنة الاقتصادية لا تنفصل عن الهيمنة الثقافية بل تتكامل معها.وهنا تتضح نقطة مركزية:تفكيك هذه البنية لا يمكن أن يكون ولن يكون اقتصادياً فقط بل يجب أن يكون سياسياً وثقافياً ومجتمعياً في آن واحد.عليه تبرز أهمية فهم الدولة ليس كحَكَم محايد بل كفاعل عضوي في عملية التراكم فالدولة في السودان كما تشير العديد من التحليلات النقدية لا تعمل على تنظيم التنافس بين المصالح الاجتماعية بل على إعادة إنتاج هيمنة طبقية محددة عبر توجيه الموارد العامة وتكريس الاحتكار وتفريغ الديمقراطية من مضمونها الاجتماعي.بالتالي فإن البحث عن “شريك وطني” داخل هذه البنية يشبه محاولة إيجاد توازن داخل اختلال بنيوي عميق.ما يطرحه هذا التحليل ليس مجرد رفض للتحالف مع هذه الفئات بل إعادة تعريف كاملة لموقع الصراع فبدلاً من البحث عن فاعل جاهز داخل البنية القائمة يصبح التحدي هو بناء قوة اجتماعية بديلة من خارجها قوة تنشأ من المنتجين المباشرين ومن الفئات المهمشة ومن الأشكال التنظيمية القاعدية.بمعنى آخر المطلوب ليس تصحيح موقع داخل النظام بل تغييره.وهذا الانتقال من وهم “الرأسمالية الوطنية” إلى بناء كتلة اجتماعية مناهضة للاحتكار هو الشرط الأول لأي مشروع تحرري جاد في السودان.        The post السودان بين وهم التغيير وأزمة الهيمنة: لماذا فشلت ثوراته حتى الان في بناء الدولة؟ (2-8) appeared first on صحيفة مداميك.