مهدي داود الخليفةفي واحدةٍ من أكثر الصور إيلامًا التي تكشفها هذه الحرب العبثية، أعلنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن وجود نحو 45 الف طفل سوداني غير مصحوب بذويهم، داخل السودان وفي دول الجوار، وقد دفعتهم نيران الصراع إلى مواجهة مصيرهم وحدهم، بلا حماية ولا سند.وتتوزع هذه المأساة الإنسانية على امتداد الجغرافيا الإقليمية؛ حيث يوجد نحو 24 ألف طفل يتيم في تشاد، و7 آلاف في إثيوبيا، و6 آلاف في كلٍ من مصر وجنوب السودان، إضافة إلى نحو ألفي طفل في أوغندا. لكنها، في حقيقتها، ليست مجرد أرقام تتناثر على خرائط اللجوء، بل حكايات إنسانية موجعة، تختصر حجم الانهيار الذي أصاب المجتمع والدولة معًا.ليس هناك ما هو أكثر قسوةً من أن تُسرق الطفولة من أصحابها وهم أحياء، ولا ما هو أكثر إيلامًا من أن يُدفع الطفل دفعًا إلى عالم الكبار، لا لأن الزمن مضى، بل لأن الحرب قررت أن تختطف منه حقَّه في أن يكون طفلًا. في السودان اليوم، لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن جرحٍ عميق ينزف في جسد الوطن، وعن جيلٍ كامل يُترك لمصيره في مواجهة الفقر، والخوف، والاستغلال، والضياع.إنها بداية مأساة لا تخص الأطفال وحدهم، بل تمسّ حاضر السودان ومستقبله، وتضع الجميع—دولًا ومؤسساتٍ ونخبًا—أمام اختبارٍ أخلاقيٍ حقيقي: هل يُترك هؤلاء الأطفال لمصيرهم، أم تُستعاد إنسانيتنا قبل فوات الأوان؟في السودان اليوم، لا نتحدث عن أرقامٍ باردة، بل عن 45 ألف قصة مكسورة، 45 ألف طفل يتيم فقدوا الأب والأم بفعل فاعل، وتُركوا في مواجهة عالمٍ قاسٍ، بلا سند، بلا حماية، بلا حضنٍ يطمئنها حين يشتد الخوف.هؤلاء الأطفال اليتامي تفرّقوا كما تتفرّق أوراق الشجر في مهب الريح:في تشاد: نحو 24 ألف طفل يعيشون في مخيمات مكتظة، يواجهون خطر الاستغلال الجنسي، وعمالة الأطفال، والتجنيد القسري، في بيئة فقيرة تعاني ضعف الحماية، ويضاف إليها خطر التنصير المباشر من قبل بعض المبشرين الذين يستغلون حاجتهم للرعاية والخدمات.في إثيوبيا: حوالي 7 آلاف طفل، معرضون للاتجار بالبشر، والانخراط في شبكات التهريب، وانقطاع كامل عن التعليم، إضافة إلى محاولات استقطاب ديني من خلال الكنائس، وسط غياب أي برامج تكفل الرعاية الدينية للأطفال المسلمين.في مصر: نحو 6 آلاف طفل يعيشون في أوضاع هشة، يواجهون استغلالًا اقتصاديًا، وعملًا قسريًا، وحرمانًا من التعليم المنتظم والرعاية النفسية، كما يواجهون خطر فقدان الهوية الثقافية في بيئة غير مألوفة.في جنوب السودان: نحو 6 آلاف طفل، معرضون لـالعنف المجتمعي، والتجنيد، وانعدام الخدمات الصحية والغذائية، ويزيد ذلك من ضعف مقاومتهم لأي محاولات استقطاب ديني أو اجتماعي.في أوغندا: نحو 2000 طفل، رغم برامج الدعم، إلا أنهم يظلون عرضة للاستغلال، والتهميش، وضياع الهوية والانتماء الديني والثقافي.إنها خريطة ألم تمتد عبر الحدود، لكنها في حقيقتها خريطة لفشل إنساني جماعي.داخل السودان، تتفاقم المأساة بصورة أشد قسوة.تشير التقارير إلى أن البلاد تعيش أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم، مع ملايين الأطفال الذين يعانون سوء تغذية حاد، في ظل انهيار شبه كامل للنظام الصحي، حيث توقفت 70% إلى 80% من المستشفيات عن العمل.وليس الجوع وحده ما يهددهم…بل هناك تصاعد خطير في العنف الجنسي، والاستغلال، وارتفاع مخاطر الاتجار بالبشر، واستغلال البراءة في أبشع صوره، إضافة إلى محاولات استقطاب ديني واستغلال الفراغ الروحي والاجتماعي.أيُّ وطن هذا الذي يرى كل ذلك… ثم يصمت؟أيُّ قلوبٍ هذه التي لا ترتجف أمام طفل يتيم ينام جائعًا، أو يُساق إلى المجهول بلا حماية؟وأيُّ ضمائرٍ تلك التي تواصل إشعال الحرب، بينما الطفولة تُذبح على قارعة الطريق؟ألا يخافون الله؟ألا يخاف الذين أشعلوا هذه الحرب من يومٍ يُسألون فيه عن 45 ألف طفل يتيم؟عن دموعٍ لم تُمسح؟عن طفولةٍ سُرقت؟عن أرواحٍ صغيرة تُركت فريسةً لكل قبيح ومشين؟إنها ليست مجرد حرب… إنها جريمة مكتملة الأركان في حق الطفولة.الغريب، بل المؤلم، أن هذه الأرقام المهولة لم تحرّك ساكنًا في ضمير المتحاربين.يستمر الصراع، وتستمر معه المأساة، بينما الشعب السوداني وحده يدفع الثمن: نزوح، جوع، فقد، وتشريد.لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:الطفولة يجب أن تكون خطًا أحمر.لأن التعدي عليها لا يدمّر جيلًا واحدًا فحسب، بل يقضي على مستقبل وطنٍ بأكمله.الحرب في السودان لم تصادر الحاضر فقط، بل سرقت المستقبل.وكل طفل يُترك اليوم بلا حماية، هو مشروع ألم جديد، وجرح مفتوح في جسد هذا الوطن.ومع ذلك… يبقى السؤال الذي لا يجب أن يُؤجَّل: هل نتركهم؟إن إنقاذ هؤلاء الأطفال اليتامي ليس خيارًا إنسانيًا فقط، بل واجب أخلاقي وديني و إنساني.واجب على ابناء الوطن، وعلى المؤسسات، وعلى كل من بقي في قلبه شيء من الرحمة.هؤلاء الأطفال اليتامي لا يحتاجون فقط إلى مساعدات…إنهم يحتاجون إلى من يعيد لهم الإحساس بالأمان، إلى من يعيد إليهم حقهم في أن يحلموا، في أن يضحكوا، وفي أن يكونوا أطفالًا من جديد.﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾آية قصيرة… لكنها تختصر كل هذا الألم وكل هذا التقصير.رحم الله ضمائرًا إن كانت قد ماتت،وأحيا الله ما تبقى منها… قبل أن يُسأل أصحابها: عن 45 ألف طفل يتيم… ضاعت طفولتهم… لأن الكبار اختاروا الحرب.The post الطفولة الضائعة في السودان appeared first on صحيفة مداميك.