عبدالله الصادق الماحيالقرارات العسكرية الأخيرة للفريق أول عبدالفتاح البرهان، بإعادة توزيع المهام داخل قمة الحلقة القيادية العسكرية العليا، تؤكد أهم أولويات البرهان في المرحلة الحالية. فبينما ينشغل الفاعلون السياسيون بطرح أسئلة الانتقال والتحول الديمقراطي، تمضي القيادة العسكرية في إصرارها على ترسيخ المقاربة الأمنية الصِرفة للصراع، والإصرار على تعريف وحصر الأزمة في اطار معركة عسكرية مفتوحة، لا الأزمة السياسية متعددة الأبعاد. والبعد الأهم بهذه القرارات، عطفاً على توقيتها ومضمونها، أنها تأتي في سياق يتجه نحو تثبيت أركان الحكم العسكري وإعادة هندسة الدولة على أسس أمنية صارمة.ظل البرهان، منذ اندلاع الحرب، يمسك بقرار الفعل العسكري ميدانياً وسياسياً، مستنداً لتحالفات مركبة داخلية وخارجية. بالداخل، يعتمد على شبكات دعم مجموعات مسلحة، وامتدادات اجتماعية، وتيارات الحركة الإسلامية، التي تعود الان لواجهة الدولة وبشكل مدروس، بعد تراجعها عقب ثورة ديسمبر. وخارجياً، نجح البرهان في بناء قنوات تواصل مع أطراف إقليمية ودولية، مستفيدا من تقاطع المصالح الإقليمية، بجوانبها الأمنية ومخاوف الفوضى وتنامي خطاب “الاستقرار مقابل دولة الديمقراطية” معتمدا علي علاقات الاسلاميين وتأثيرهم علي صناع القرار في دول إقليمية ودوائر عالمية. لكن المؤكد هو دعم البرهان وبلا تردد للخطاب الإعلامي والسياسي الذي تتولاه كوادر الاسلاميين القائم على اعادة إنتاج سرديات “الحرب الوجودية” و” حماية الدولة”، لتبرير استمرارها وتغليب الخيار العسكري، في مقابل توسيع تمكينهم في الدولة، اقتصادياً وأمنياً، بما يعزز اقتصاد الحرب ويُضعف فرص التحول المدني، عبر المزيد من التضييق علي القوى السياسية بهدف، افراغ الدولة من اي وجود للكوادر المدنية والسياسية وتجريف البيئة الوطنية من أي دور سياسي.ويقف إصرار البرهان ومعه الاسلاميين على تعطيل أي مسار تفاوضي واستمرار تجريمه وإفراغه من مضمونه، دليلاً إضافياً على غياب الإرادة السياسية لدى البرهان وخاصة حلفائه الاسلاميين لإنهاء الصراع، ويؤكد استثمارهما المشترك فيه. ويعزز توافقهما على عسكرة الدولة وتجريف اي دور سياسي او مدني للقوى السياسية في حاضر ومستقبل الوطن، للقضاء على الحريات العامة واحتلال مؤسسات الدولة والسيطرة على السلطة والتحكم بأدواتها وكل مقدرات الدولة في الحماية من الملاحقة، في اطار مشروعهما المشترك.تأتي قرارات إعادة هيكلة القيادة العسكرية كجزء من مشروع أوسع، يهدف إلى إحكام السيطرة على ما تم “تحريره” ميدانياً من الأقاليم، ودعم المزيد من الاستعداد لمراحل قادمة من الصراع مع الدعم السريع وحلفائه، بدلاً من الانتقال إلى مسار تسوية سياسية شاملة هي الأقل كلفة علي الجيش والوطن ومستقبل الدولة، لكنها تعزز الوجود المدني والسياسي وهو ما يخشاه العسكر وشركائهم.إن خطورة المسار الذي يؤسس على دعم استمرار الحرب، وإعادة تشكيل الدولة على نحو يُقصي السياسة ويُجرّم العمل المدني، أنه يفتح المجال لهيمنة قوى السلاح على القرار الوطني. ويُنذر بإطالة أمد الصراع، وتعميق الانقسام المجتمعي وانقسام البلاد، وتآكل مؤسسات الدولة لصالح شبكات الولاء العسكري والأيديولوجي، مما يحيل الدولة تدريجيا الى كتلة صلبة للانغلاق السياسي والتطرف الايدلوجي المحمي بالسلاح.أمام هذا الواقع المنحدر نحو المزيد من السوء، تقف القوى السياسية والمدنية والثورية السودانية متفرقة ومنقسمة، أمام لحظة حاسمة، مما يتطلب منها قراءة دقيقة للمشهد، بعيداً عن الأوهام والرهانات الجزئية. فالتحدي لم يعد فقط في إنهاء الحرب، بل في منع إعادة إنتاج النظام القديم بصيغة عسكرية وايدلوجية اكثر تطرف. مما يستدعي العمل العاجل على بناء تحالف وطني عريض، يتجاوز الخلافات الثانوية، ويؤسس لمشروع وطني جامع، قائم على الدولة المدنية الديمقراطية، وسيادة القانون واحتكار السلاح بيد مؤسسات مهنية. تحالف ينفتح على كل السودانيين، دون إقصاء، ولا يستثني الا القوى السياسية المسلحة، التي تصر على الاستثمار في الحرب كوسيلة للسلطة. ويتطلب بلورة رؤية واضحة جديدة للانتقال أكثر وعيا واتساعا واستعدادا لإعادة تشكيل قيادة جديدة يتفق عليها.إن قراءة قرارات البرهان الأخيرة لا يمكن فصلها عن مشروع سياسي أوسع، يسعى إلى إعادة تشكيل الدولة تحت مظلة العسكرة، وإقصاء القوى المدنية والسياسية من المجال العام. ومواجهة هذا المشروع تبدأ بإدراك طبيعته، وتنتهي ببناء بديل وطني قادر على استعادة الدولة من قبضة السلاح، وإعادتها إلى فضاء السياسة والمجتمع.The post قراءة سياسية فيما وراء قرارات البرهان ومسار إعادة إنتاج السلطة appeared first on صحيفة مداميك.