أوديسة “أمير” الخراب الأوغندية: تغريبة “الكدمول” العروبي والقميص الأفريقي

Wait 5 sec.

صلاح الزينليس لـ”الأمير” مكانٌ معلومٌ وأيضًا له كل الأمكنة. لا أحد يعلم من أين أتى والكل يدري أنه ابن الجهات الأربع وأجنحة الريح.ومثل أي “أمير”، يقيم على حافة الجرح ويختفي في مرايا الدم ليُخفي الخراب. لا زيَ له ولا عطرَ يوسمه حتى تُصطاد بوصلةُ ريحِهِ ويخطو خارج المرايا والسراب بنعلٍ سهلٌ اقتفاء دربها وإنْ خَطَتْ فوق رمل السحاب. لا أمير وإلا كان أميرًا لكل شيء: إنْ توشَّحَ بـ”كدمول” أو خطا، كطاؤوسٍ، بقميصٍ خيوطُهُ من شجر السافنّا.هكذا حطَّ رَكبُ “الأمير” حميدتي، في العشرين من فبراير 2026، في مدينة كمبالا، يوغندا، بخطىً متثاقلة معنية بأن لا توقظ ذاكرة أفريقيا على جرحٍ يلعقُ دمهُ منذ قرابة ربع قرن. جرحٌ ما توفرت له غابات السافنّا ولا غيمها الولود لتغسله فعمَّدته شمسُ دار فور وبراريها أبجديةً منحوتةً على ذاكرة ملايين من سكانها.لكن “الأمير” الزائر، مثل كل أمير في عجلةٍ من أمره، وقد لبِسَ لأفريقيا قميصًا منسوجًا من غاباتها وبروقها، فقد نحّى جانبًا تلك الذاكرة حتى لا تتطفل على اتساقِ زيِّهِ وما يحيط بَهْو استقباله من خضرةٍ ونثيثِ غيم. لا شيء يدعوه أو يستوجبه أن يستدعي صور معسكرات “زمزم” و”شواك” ولا حتى مدينة الفاشر. لا شيء من ذلك البتة وهو يخطو فوق العشب “الكمبالي”.هنا يبلغ “الأمير” حميدتي اتساقًا يليق بكل أمير يرص حجارة إمارته فوق إخلاءِ المكان وتجريف مَن مِن فوقه ليكون مكانًا لـ”الأمير” بذاكرةٍ ميلادُها وشجرةُ نَسَبِها خَطوُ الأمير ونعالُهُ. لا ذاكرة للمكان قبل حلول الأمير. وقْتُها كان الأمير استطالةً رثةً لما فاض من رثاثة الحركة الإسلامية وإسلاموعروبية خطابها. كان لصًا وسارقًا اِستلّته الحركة الإسلامية من ضلعها واستأجرته، بعَقدٍ وشهود، وأوكلت له مهمة تخليص الإسلام وشعائره من ما لحِقَ تلوّثَ صفائه بـ”زُرقةٍ” لا تليق بقداسته وبهائه القَمَري.كان ذاك ضرورةً لانعطاب سيرورة مفاصل بنية الخطاب العربسلامي الذي اقتضى تبديل عصا السياسة بعصا الدين ليكتمل تمفصل كليهما مع سلطة الخطاب الفكرية والسياسية وسِقالاته الطبقية والاقتصادية. وقد أنجزَ الأمير وجحافله بما يليق باتساق انعطاب الخطاب العربسلامي ورثاثة الاستطالة، التي ينقفِلُ مداها البعيد بجنجويدٍ وأميرٍ ساعٍ لإنقاذ سلالة “العطاوة” من التيه وردِّها إلى إمارةٍ عضوض، إمارة وسلطة آل دقلو.لا يخطر كل ذلك على بال “الأمير” وقد غطى مرايا الذاكرة والخراب بقميصٍ مقدودٍ من خيوط شجرة نَسَبِهم، أولئك الذين اقتلعهم من حواكيرهم وأودعهم معسكرات نزوح تضج بطنين لغات وكالات الإغاثة وجلبة معداتهم لقرابة ربع قرن من الزمان وصولاً لاجتياح الفاشر (26 أكتوبر 2025) التي نَفَدَ “أُمبازُها” قبل اقتلاع مَن فيها وإبادتهم بالآلاف، كما ذُكر في تقارير جلسة مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، فبراير 2026.قبلئذ احتقب “الأمير” جحافلَهُ وبُذات العدة والطموح -وقد أصبح أحد مستويات بنية الخطاب العربسلامي- واجتاح الخرطوم وإقليم الجزيرة ليشعل حربًا حتّمَ ضرورتَها تناقضُ بنية خطاب الدولة الكولونيالية المقروءة بعقل الديسمبريين وإفصاحاتهم المعرفية في إنجيلهم: (الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب). حرب أبريل 2023 ذات الرأس” الجانوسي”، فلول وجنجويد.هكذا هبط “الأمير” وأطلَّ من على طائرته بقميصٍ بسماتٍ وذوقٍ أفريقي.ومثل كل أمير، لا يطل الأمير إلا وقد اكتملت عدة أمارته: جبلٌ من ذهب، عقارات وشركات، جيوشٌ ومرتزقة (وقد اعترف بذلك!)، أحد أثرى أثرياء قارة إفريقيا، حكومة “تأسيس” يرأسها وتخلفه حركة شعبية/شمال بقائدها عبد العزيز الحلو وعلمانية (أي والله علمانية!!) ولأخيه قيادة جيشها ولأخٍ آخر تصريف مواردها وأموالها.هكذا تكتمل الإمارة باكتمال قبضة العائلة. ويكون أوج الاكتمال، مثل إمارة كل أمير، بتحطيم مرايا الذاكرة بما عَلقَ بها مِن قتلٍ ونصْبٍ واغتصابٍ وتهجيرٍ وتنزيح وإنْ اقتضى ذلك إطلالة “الأمير” متدثرًا بقميصٍ ذي طَعمٍ أفريقي فيه نَسَبٌ ودمٌ مِن مَن فتك بهم، ذات دهرٍ، ذات الأمير ليكون في محوهم وإفنائهم ما يعيد للخطاب العربسلامي نقاءً لوَّثتهُ “زُرقةٌ” تطالب بحقها في مدرسة ومشفى ودونكي، لا آخرة تُرتجَى فيها رؤية وجه الله ونِعم جِنانه.ولـ “الأمير” بإطلالته الإفريقية ولمساتِها “الكمبالية”، التي تتناسب ومقتضيات المناخ، سابقُ دِربة ومهارة في طلاء مرايا الذاكرة بلون العدم والسديم. فـ”الأمير” لا تنقصه الجرأة التي تقتضيها الإمارة. وعادةً ما يكون ذلك بالتحلي بقدرٍ مهولٍ من انعدام الحياء وتجويف الوجدان والذاكرة. فقد خَلعَ الأميرُ ثوب الحياء والوجدان بأن قام في يناير 2024 بزيارة المتحف التذكاري للإبادة الجماعيّة بالعاصمة الرواندية كيقالي. (انظر مقالنا في مداميك بعنوان: الخطاب في مرآة ذاته: تُرى ماذا يَرى في متحف ضحايا الإبادة الجماعيّة الرواندي؟؟).هو ذات الأمير، الذي يحيرنا، إنْ كان رأى في المتحف رفقة ضحايا أُخر، ضحاياه، في دار فور وربوع المساليت وأزقة الخرطوم وشوارعها وحاراتها؟؟إنه ذات الأمير برأسه “الجانوسي”، والحرب تخطو نحو عامها الرابع، يقاسم رأسه الآخر، الفلولي، التكبير باِسم الجلالة وطلبِ الشهادة، هو ذات الأمير الذي يخطو في تغريبته “الكمبالية” مثلما فعل في تغريبته “النيروبية”، فبراير 2025، برفقٍ ومَهلٍ، يعلو جسده قميصٌ بفكرةٍ وذائقةٍ إفريقية لها نَسَبٌ ودمٌ في “زُرقةِ” دار فور. ذات الأمير وقد خلع “الكدمول” وأَحلَّ محله قميصًا بطعمٍ أفريقيٍ أسود ليكسر عدة مرايا ويغطي فتوقات ذاكرة “الكدمول” المنسوجة بخيوط الإفناء والخراب والعدم. فـ”الأمير”، مثل كل الأمراء، له من الخفة والمهارة ما يؤهِّله لاستلاف جناحَيْ فَراشة واعتلاء مركبِ ما يراه من أوديساتٍ إنْ كان برأسٍ ملفوفٍ بـ”كدمول” أو زيٍّ أفريقيٍّ يغطي أسفل الجسد.فمنشأ الأمير وحاضنته الفكرية والطبقية والسياسية، كاستطالةٍ رثةٍ لِبِنْيةِ خطابٍ عربسلاميٍّ تفتك به انعطابات سيرورته وتَفكَّكٌ بنيويٍّ لازمٌ له، ما يسمح للأمير أن لا يَرى أية تمايزات فيما بين ما تُبحِرُ فيه قوارب الأوديسة من ماءٍ ولونِ ريحٍ.The post أوديسة “أمير” الخراب الأوغندية: تغريبة “الكدمول” العروبي والقميص الأفريقي appeared first on صحيفة مداميك.