مؤانسة رمضانية (10): المحجوب شاعرا ومثقفا

Wait 5 sec.

فيصل محمد صالحيبدو أننا نتعامل مع بعض القضايا والاشياء كبديهيات يعلمها الجميع، ونتناسى الفروقات بين الأجيال وزحمة المعارف الموجودة في الفضاء الإسفيري بحيث لم يعد الناس قادرين على متابعة كل شيء، وإنما يتعاملون بمعايير انتقائية، ولا أبرئ نفسي من عدم الالتفات لهذا المتغير الخطير والكبير.جاءتني رسائل واتصالات من أشخاص عديدين على ما كتبته عن المناحات والمراثي، الملفت فيها جاءت من شخصين مختلفين. لامني الأول أنني عندما أشرت بالأمس إلى الشاعر والمثقف محمد أحمد المحجوب لم أذكر أنه كان رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية، وأنه عندما قرأ مرثيته للسيد عبد الرحمن المهدي بحث عنه فاكتشف هذه المعلومات بأنه كان زعيما سياسيا ورئيسا للوزراء، أما الثاني فقد شكرني على أن عرفته على بعد لم يكن يعرفه عن شخصية السيد محمد أحمد المحجوب، وهو أنه كان شاعرا ومثقفا بجانب شخصيته السياسية المعروفة.انطباعي الأول كان دهشة صامتة، وربما، مع الأسف، ابتسامة سخرية، ندمت عليها فيما بعد، وقلت في سري: وهل هذه معلومات يجب أن أذكرها في المؤانسة، أو ليست معروفة للجميع..؟ثم راجعت نفسي.. ومن هم الجميع..؟ هل جميع السودانيين في الأرياف والحضر، في المنافي والملاجئ..؟ من درس بالسودان أو عاش وتربئ في المهاجر والمغتربات..؟ هل هم جميعا من مختلف الأجيال والأعمار أصحاب معارف واحدة..؟نتيجة هذه المراجعة كانت رغبة شديدة لدي بالاعتذار لهذين الشخصين ولغيرهم من الناس، اعتذر عن جهلي وعن تصوري المعمم للشخصية السودانية والتنميط الذي هو سبب أساسي في ما تعيشه بلادنا اليوم.محمد أحمد المحجوب شاعر وكاتب ومثقف كبير قبل أن يكون سياسيا، ولد في الدويم عام 1908، ونشأ بينها وبين أمدرمان حيث يقيم أهله الهاشماب، ترافق منذ شبابه الباكر مع ابن خاله الدكتور عبد الحليم محمد وتشاركا حب الادب والمعرفة، درسا كلية غردون حيث اختار المحجوب دراسة القانون بينما درس عبد الحليم الطب.بدأ المحجوب كتاباته في مجلتي النهضة (أبو الريش) والفجر (عرفات محمد عبد الله)، وشارك في المنتديات العامة وجلسات الخريجين، بجانب كتابته للشعر. أصدر هو ودكتور عبد الحليم محمد كتاب “موت دنيا”، وهو، بحسب دكتور عبد الله حمدنا الله “عبارة عن قصة تاريخية تساق من خلال الرسائل، وهي إلى التاريخ الاجتماعي أقرب، ففيها جوانب مختلفة من أنماط الحياة المختلفة حينئذ، في أسلوب ادبي رائع، قل ان تفرق فيه بين ما كتبه محمد أحمد محجوب وما كتبه عبد الحليم محمد.”عمل المحجوب بالمحاماة وكان معروفا بأنه حطيب مفوه وقوي الحجة. بدأ نشاطه السياسي في الجبهة الاستقلالية، ثم صار قياديا في حزب الأمة، وتولى وزارة الخارجية ثم رئاسة الوزارة على فترتين انتهت بانقلاب مايو 1969.كنب المحجوب ثلاث دواوين شعرية “قلب وتجارب” و”الفجر الكاذب” و”نحو الغد” بجانب “موت دنيا”، كما كتب مذكراته السياسية في كتاب “الديمقراطية في الميزان” وكتاب عن الحركة الفكرية في السودان. تأثر بالمدرسة الرومانسية، وامتاز شعره بقوة اللغة الكلاسيكية والميل للتأمل الفلسفي والوجوديكان في بيروت…تغزل فيها وفي جمالها، ثم تذكر وطنه السودان، فكتب:“ياما رأيت بسنكات وربوتها.. صفو الحياة وعيش القانع التعب، والشاهقات كساها الثلج فانبعثت…في ” أركويت ” تناجي السحب عن كثب، وهل رأيت فتاة العرب قد سفرت…من غير قصد فكانت فتنة النجب !، وهل رأيت من الآرام راتعة…تحت الأرامك فلم تجفل ولم تعب، ” وكردفان ” أما شاهدت نضرتها…عند الخريف وقد غامت مع السحب، والباسقات من الأشجار يقصدها…طلاب فن ومن يشكون من نصب، والحسن ياصاح إما شئت فاتنة…فأنظر بربك ذاك الساذج العربي، قالوا “بهيبان ” جنات إذا غشيت…كانت لرائدها الجنات في حلب، وما ” دلامي ” وقد زفت خمائلها…الا زحيلة موحي الفن والأدب، وشمس ” ميري ” وقد خفت لمغربها..تهفو وتغرب في عين من اللهب”وكتب قصيدنه “الفردوس المفقود” حين زار الأندلس:“نزلت شطك بعد البين ولهانا..فذقت فيك من التبريح ألوانا، وسرت فيك غريبا ضل سامره…داراً وشوقاٍ وأحباباً واخواناً، فلا اللسان لسان العُرْب نعرفه,,,ولا الزمان كما كنا وما كانا، ولا الخمائل تشجينا بلابلها…ولا النسيم سقاه الطل يلقانا، ولا المساجد يسعى في ماذنها….مع العشيات صوت الله ريانا”وحين ابتعد عن الشعر قليلا لمشاغله السياسية والتنفيذية، سئل إن كان قد ترك الشعر …فأجاب:” أنا ما ابتعدت عن القصيد وعن أهازيجي وفني ، وعن الحياة وعن هواى وعن تباريحي وظني ، وعن الجمال يهزني ويهز أوتاري ولحني ، أنا ما ابتعدت وانما دنياى تسرف في التجني ، أنا يا أمية شاعر والشعر مسبحتي ودني ، وهدى النفوس قصيدة روت الهوى والشعر عني”.The post مؤانسة رمضانية (10): المحجوب شاعرا ومثقفا appeared first on صحيفة مداميك.