د. عبد الله علي إبراهيم ولم يسلم حميدتي مع ذلك هوناً من زيغ عن التسليم بالشفشفة وسط جنوده، فقال في أول ذكر للشفشفة إنها من صنع الكيزان، فاعترف بأن خروجهم من الخرطوم كان تحت وابل بالمسيرات، فداخلت الشفشافة قواته في خروجهم وهم الذين اتهمهم أنهم عناصر كيزانية ممن استنفروهم لحربهم وأنهم برآء منهم.وكان قال في وقت سابق إن الشفشافة من مجرمي السجناء الذين فتح الكيزان لهم أبواب السجون ليعيثوا في الأرض فساداً. وكان أقرب ما وصل حميدتي لنسبة الشفشافة إلى قواته في وصفهم بأنهم عناصر متفلتة تزعم النسبة إليهم وما هم منهم، بل أنشأ “الدعم السريع” إدارة خاصة لضبط ما عرف بـ”الظاهرة السالبة” لا يعرف لها أحد كسباً في وظيفتها.غير أن حميدتي عاد في خطابه ليتحمل تبعة الشفشافة كما لم يفعل من قبل، ولربما كان ذلك بسبب تفشي الشفشفة في المناطق التي له السيطرة عليها في دارفور وكردفان بعد تراجعهم عن الوسط والشمال النيلي.فتكاثرت المناشدات له في لايفات من جنوده تشكو إليه مر الشكوى من ترويع الشفشافة للناس في دولة “الدعم السريع”.فجاء في مقطع فيديو لأحدهم أنه حتى قيادات “الدعم السريع” متورطة في الشفشفة إلا من رحم. وهذا طريق مسدود، في قوله، دون النصر لو حاربوا 40 عاماً. وقال إن حميدتي سأل في خطابه الأخير عمن هم هؤلاء الشفشافة، فأجابه قائلاً “هم أنا وأنت والقاعد جنبك، هل من غيرهم؟ أكيد ما في”. وعليه، وما دام الشفشافة نحن أنفسنا وجب أن نتواثق على قانون لضبط الشفشفة يعيد حق المواطن المسلوب، فلو هربوا سيارته إلى مدينة الجنينة على حدودنا مع تشاد أعادوها له، وكذلك مع مشفشف الإبل والبقر والغنم، ولا حل عنده غير هذا الضبط والربط. وصب لومه على القيادات لا العسكر، فالقائد نفسه متورط في الشفشفة، فلو كان حاسب جنده على نهب الناس لما تردت بهم الحال على ما هي عليه، فالجندي الشفشاف يأتي بالمال الذي نهبه إلى معسكره تحت نظر القائد، ولا مسائل له من القيادة بما هو اشتراك في الجريمة، وإذا خرج أحدهم بالشكوى مما يرى استثار ذلك القبلية ينصر الرجل أخاه ظالماً ومظلوماً.وبدا أن الشفشفة في دولة تأسيس نفسها من الكبائر، وليس من سبيل لتوزير غيرهم مثل الكيزان بها، وهي ممارسة في عقر دارهم، فناشد حميدتي الشباب ضمن حشد ندوة أوغندا أن يعينوه في محاربة الشفشافة، فقال لهم إنه لا يدعوهم إلى قتلهم حيث ثقفوهم، لكن بأن يأخذوهم للمحكمة فتقضي عليهم بالقانون، وأضاف أنهم ليسوا غافلين عن هذه الظاهرة السالبة وبدأوا في إنشاء حكومة ستأخذ الأمر بيدها.وعاد للشفشفة مرة ثالثة خلال خطابه، فقال إن زعم الكيزان أن أهل شرق السودان ووسطه وشماله أعداء مؤكدون لـ”الدعم السريع” قول باطل، فهم معهم، ولكنهم خائفون من دون إشهار التضامن معهم. وأضاف أنه مع ذلك فالحق أولى أن نصدع به، فالشفشافة هم من كرهنا الشعب بسببهم، ولو عدنا حرباً إلى هذه المناطق لن نجد من يقبلنا، فينبغي أن نقطع دابر الشفشافة قبل أن يعودوا ويستردوا تلك المناطق، فهم عدوهم الأول حتى قبل الفريق ركن عبدالفتاح البرهان.في منعطف خطابه بدا حميدتي كمن طلب حلاً خاتماً للشفشفة وغيرها مما دمغ جيشه، فخاطب قواته قائلاً إنهم بصدد ترتيب يتلقون به أجورهم عن خدمتهم كما سيتكفلون بحق شهداء الحرب والعناية بجرحاها، وأكد لهم أن المال بيدهم وافر، فبدا هنا كمن سمع تظلمات جنوده عن شفشفتهم هم أنفسهم لحق الناس وإهمال مؤسسة الدعم لحقوق ضحايا الحرب التي ضجت بها الفيديوهات.وبدا من حديث حميدتي عن المرتبات والعناية بضحايا حربه كأنه يريد تغيير طبيعة الوحش، فكأنه يريد تحديث مؤسسة انبنت على قواعد “الفزع” التقليدية من أيام العرب أو القبائل في السودان، فلفظاظة “الدعم السريع” مثل الشفشفة علاقة سبب ونتيجة بين تركيبته في عصب مسلحة ذات استقلال ذاتي داخله واقتصادها القائم على الغنيمة إكراهاً، فمقاتلو “الدعم السريع” كتائب من قبيلة عليها قائد منها، وأسلحتهم مما اجتمع لهم بصور مختلفة، ولا التزام لـ”الدعم السريع” بأجور حيالهم ولا حتى بالتسليح.وأذاع علي رزق، الشهير بسافنا القائد المسمى في “الدعم السريع” ممن تذاكر الناس اسمه في ملابسات صدام “الدعم السريع” وموسى هلال ناظر قبيلة المحاميد الأخير، خبر هذه التركيبة حين تكاثر الاحتجاج عليه من قبل “دعامة” أصيبوا في المعارك ولم تقم المؤسسة بالعناية الطبية بهم، فصرفهم عنه وقال لهم ليس هو من يحتجون عليه، بل قائد الدعم محمد حمدان دقلو، فتعاقده هو مع “الدعم السريع” قائم على “الفزع” أي إنهم أتوا إليه فزعاً لا جزءاً عضوياً منه. وعليه فالدعم غير ملزم بعلاجهم حتى إنه هو نفسه تداوى على نفقته الخاصة. وليس الدعم غير ملزم بالعلاج فحسب، بل غير ملزم بتسليحهم ولا تشوينهم، فكله على النفقة الخاصة، فحتى الأسلحة التي تطوع بها “الدعم السريع” لهم كانت قليلة النفع، فأزهد سافنا المحتجين في مطلبهم بتكفل “الدعم السريع” لهم بأي وجه من الوجوه، فقال لهم من انجرح في درب الحرب التي اختارها مع “الدعم السريع” طائعاً مختاراً فكلفة علاجه عليه، وتموت فيسترك أهلك، فمن أراد من المحتجين الاستمرار في هذا الدرب كان بها، أما من استنكره فليغادر، فـ”الدعم السريع” في قوله محطة قطر يركب زول وينزل زول.وبالطبع لم يذكر سافنا مصادر التمويل الذاتي لعصبته في “الدعم السريع”، لكنه كمن يستعيد “استراتيجية الذئب” التي أطلقت على المرتزقة في حرب الـ30 عاماً في أوروبا (1618 – 1648)، فأجرهم كان من التكسب من نهب القرى والمدن وتركها خراباً بشراً وعماراً، وربما كانت الممارسة هي منشأ المثل الألماني “الذئب على أتم الاستعداد دائماً للعمل كراعٍ بلا أجر”.فما أصول “استراتيجية الذئب” في بادية السودان؟تقوم بين القبائل العربية وربما غيرها فرق مسلحة تعرف مثلاً بـ”العقداء” بين شعب الرزيقات ممن يوصف بحاضنة “الدعم السريع” في يومنا. ويقوم العقيد منهم على كيان مسلح أصيل للقبيلة السودانية ظل قائماً في تفاوت في المدى والخطر في البادية السوداني، وهذا الكيان معروف بـ”القوم” بين قبائل الكبابيش العربية في شمال كردفان، وتنهض القوم تطلب ما بيد غيرهم، ولها أسس دقيقة في توزيع أسلابها من القبائل الأخرى، فمتى غنمت القوم نال عقيد القوم سهمين من الأسلاب، وللأفراد منها سهم واحد. وللعقيد “ناقة السوط” التي يتخيرها من الوسيق، وعلامة ذلك أن يضربها بسوطه، فتضاف إلى نصيبه قبل القسمة، وفي رواية أن الرجل الفارس المعلوم يطعن الناقة التي أعجبته، فهو “يعدقها” أي يعزلها لنفسه، وتفرز القوم نياق أخرى قبل القسمة هي: (أ) “ناقة الدم”، وهي للفارس الذي يقتل صاحب الإبل، وتؤخذ قبل “ناقة السوط”، و(ب) “ناقة الفوت”، وتعطى للفارس المشهور وللذي يجمع الإبل ويقرعها، أي يؤمنها للقوم، و(ج) “بعير الحوه”، ويعطى للفارس يسارع بجواده السباق فـ”يحوي”، ويطوق، الإبل التي طردتها القوم.ولا فروق في امتيازات العقيد سواء كان حراً أم عبداً.ومما أفسد علينا فهم هذا التقليد الحربي في القبائل ما تعودنا من إطلاق “الميليشيا” عليه، فحجب المصطلح الأجنبي هذه الديناميكية الاقتصادية العسكرية في الريف حتى صرنا على التعرف إليها شيئاً فشيئاً في “الدعم السريع”. وكانت “مراحيل”، جماعة عقداء بين قبيلة المسيرية في كردفان، هي أول من أطلق صفوة القلم عليها مصطلح “ميليشيا” كراهة في تعبئتها بواسطة نظام الإمام الصادق المهدي، رئيس الوزراء، لقتال الحركة الشعبية لتحرير السودان في 1986 وما بعدها. وأوحى المصطلح الأجنبي بأن المراحيل مرتزقة في جيب الحكومة بينما ينكرون هم ذلك، وقالوا إن أجرهم مما يغنمون من العدو فيسامون حتى أسراهم لقاء فدية كما اشتهر عند “الدعم السريع”، علاوة على أن المراحيل كانت مغرضة في الحرب وليست مجرد مخلب قط، فقد كان الجيش الشعبي لحركة التحرير واقفاً مع جارهم شعب الدينكا الذين يصطرعون معه حول الموارد حيث هم.فليس النهب والقتل والشفشفة عارضاً في أداء “الدعم السريع”، أو انفلاتاً كما جرت العبارة، إنه الفريضة، وسيكون “الدعم السريع” غير “الدعم السريع” إن طلب جنوده أجراً غير أجر الذئب.The post حميدتي: “الشفشافة” عدوي رقم 1 appeared first on صحيفة مداميك.