تعدد الحراك واستمرار الحرب

Wait 5 sec.

د. أحمد عثمان عمركثيرا ما يظن البعض أن التحرك الدولي يجب أن يقود إلى نتائج فورية تفضي إلى وقف سريع للحرب، ويتوهم آخرون بأن مجرد تصريح من المبعوث الأمريكي للشؤون الأمريكية يعني وصول الأساطيل الأمريكية إلى المياه الإقليمية السودانية في حال عدم امتثال أطراف الحرب لما تريده إرادته. كذلك يقلل البعض الآخر من الحراك الدولي إلى درجة وصفه بعدم الجدية المطلقة واعتباره مجرد تغطية وإثارة غبار وتأجيل لمسار التغيير، يسمح للدول المتدخلة في حرب السودان بتنفيذ أهدافها.والصحيح بالطبع هو رؤية تأثير حراك المجتمع الدولي في ممارسة الدول ذات الصلة، وفي سلوك الأطراف المتحاربة على الأرض، وقراءته في ظل توازن الضعف وعدم القدرة على الحسم العسكري، في ظل إدراك كامل أن لهذا الصراع اسس داخلية، قائمة على صراع اجتماعي واضح، قواه محددة على سبيل الحصر، وخارطته الاجتماعية ومصالح أطرافه جلية وبينة.والعين لا تخطيء ازدياد الحراك الدولي مؤخراً، الذي تمثل في الموقف القوي لمجلس الأمن ودعوته الدول لعدم التدخل وتأجيج الصراع، وإدانته لجميع الفظائع المرتكبة، وتمسكه بوحدة أراضي السودان وسيادته، وتوافقه على أن الحل في قيام حكومة مدنية تمثل إرادة السودانيين ورفضه لأي سلطة موازية كذلك. واكب ذلك تأكيد المبعوث الأمريكي لنفس التوجه مع ذكره حرفيا أنه في هذا الصراع ليس هنالك طرف جيد، وتزامن هذا النشاط مع إعلان بريطانيا وألمانيا وهولندا والنرويج وأيرلندا، أنها تعتزم تشكيل تحالف لمنع المزيد من الفظائع في السودان. وحتى يتمكن المرء من تقييم هذا الحراك قبل أن يصمه بالفشل أو بأنه تمثيلية، أو يقفز مباشرة إلى التوصل بأن سلطتي الأمر الواقع إلى زوال فوراً، لا بد من رؤية أثر هذا الحراك على نشاط الطرفين المتحاربين والقوى الناشطة الأخرى، باعتبار أن هذه الحرب نتاج لصراع داخلي بالأساس، حله الصحيح بيد شعب السودان القادر بكل تأكيد على تصحيح الأوضاع وفرض إرادته الغلابة.ففي معسكر سلطة الأمر الواقع، يخبرنا خطاب الانقلابي المزمن ورئيس مجلس سيادة الانقلاب غير الشرعي، أنه رافض للهدنة الإنسانية التي يسعى المجتمع الدولي لفرضها على طرفي الحرب، وذلك عبر وضع شرط مضحك مبكي لقبولها هو أن تضع المليشيا الإرهابية المتمردة سلاحها، وأن تسلمه رقبتها ليقوم بذبحها، وكأنه انتصر عليها نصرا عسكريا حاسما لا أنها تتمدد كل يوم وتسيطر على مناطق جديدة. وهذا الخطاب يؤكد حقيقة لم تعد مثار جدل، أن السلطة غير الشرعية مجرد واجهة للحركة الإسلامية المجرمة ليس إلا، وهذا ما يقوله العالم بأجمعه. يعزز هذا الخطاب المأزوم وغير المنطقي المؤسس لاستمرار الحرب، ما تزمع السلطة على القيام به من تكوين مجلس تشريعي منعت تكوينه في فترة شراكة الدم للحفاظ على استمرار التمكين، ومغازلتها للجان المقاومة التي عادتها وعملت على تصفيتها منذ بداية نشأتها. وهذه محاولة ميتة اخرى لشرعنة السلطة، واستكمال شكل مؤسسي يكرس التمكين، ويعطي وهم تشكل دولة بجميع اجهزتها، في تأكيد غير مباشر أن ما هو موجود الآن ليس بدولة في واقع الأمر.في المقابل تخبرنا زيارة زعيم مليشيا الجنجويد الإرهابية الرسمية ليوغندا بدعوة من رئيسها، ان سلطة الأمر الواقع غير الشرعية ترفع سقف خطابها في حين أنها تستجدي الوساطة مع المليشيا الإرهابية في الممارسة العملية. فالمليشيا الإرهابية أعلنت بأن زيارة زعيمها تمت بدعوة رسمية بناءا على طلب وساطة من سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، وبيان خارجية هذه السلطة الخجول الرافض لهذه الزيارة، يشي بصحة ما أعلنته المليشيا. فموقف السلطة الرافض لم يكن قويا، ولم يأت من مجلس سيادة الانقلاب الذي طلب الوساطة ويملك السلطة الفعلية، بل جاء من حكومة لا سلطة لديها ولا لرئيسها، وهو لم يشتمل على موقف عملي بل توقف عند حدود الاحتجاج فقط. ولسنا في حاجة للقول بأن الدعوة الرسمية التي تلقاها قائد المليشيا الإرهابية لا تعني منح أي شرعية لحكومته المزعومة، لأن رفض هذه الحكومة الموازية تم في نفس الأيام من مجلس الأمن وسبقه الاتحاد الأفريقي، وكذلك الرباعية، والولايات المتحدة الأمريكية. والدعوة الرسمية في إطار الوساطة، لا تعني نفيا أو إلغاءا لكل ذلك، خصوصا وأنها لم يواكبها اعتراف صريح من الحكومة الأوغندية، ولكنها تؤكد أن المجتمع الدولي ما يزال يتعامل مع طرفي الحرب على قدم المساواة، وأن تعامله مع أي منهما لا يعني اعترافا بشرعيته.أيضا ما يؤكد أن سلطة الأمر الواقع تبحث عن تسوية برغم ارتفاع سقف خطابها وبحثها عن شرعية مستحيلة ومحاولة تثبيت انقلابها عبر الحرب، عودة تراجعها عسكريا وتمكن المليشيا الإرهابية من السيطرة على مدينة الطينة آخر معاقل هذه السلطة في إقليم دارفور، وتمكنها من السيطرة على مستريحة مركز حليف السلطة وقائد الجنجويد الأول، بحيث يصح القول بأن السلطة غير الشرعية طردت بالكامل من إقليم دارفور، الذي أصبح بأكمله في قبضة المليشيا الإرهابية، فيما عدا المناطق التي تسيطر عليها حركة تحرير السودان التي أعلنت حيادها في هذه الحرب.وهذا يؤكد أن رفع سقف الخطاب ووضع الشروط التعجيزية لقبول الهدنة والمضي في محاولات شرعنة السلطة المرفوضة محليا وإقليميا ودوليا، لا يعكس قوة بقدر ما يعكس عجزا عن تحقيق الأهداف السياسية، ومناورة في سبيل تقليل ضغط المجتمع الدولي وتحسين شروط التسوية. فالسلطة غير الشرعية تعلم يقينا أنها عاجزة عن حسم الحرب عسكريا وداعميها الدوليين يعلمون ذلك أيضا، وهي تعلم أن المجتمع الدولي جاد في فرض هدنته الإنسانية ولو بعد حين، وتعلم أيضا أن المتاح لها هو تحسين شروط ما بعد هذه الهدنة بالمناورة ومحاولات الالتفاف لا بالرفض المباشر والتحدي، لذلك تعمل بجد لتغييب الفعل الشعبي ومصادرة النشاط السياسي المدني، والتمادي في القمع مع محاولات خجولة لترطيب الأجواء مع المعارضة المدنية المنخرطة في المشروع الدولي. لكن كل هذا الجهد لن يقود إلى نجاح يذكر، فالمجتمع الدولي لن يقدم كامل التنازلات التي تطلبها سلطة الأمر الواقع ولن يقبل بعودة كاملة للحركة الإسلامية المجرمة للسلطة أو حتى باستمرار الجنرالات الواجهة في السلطة، لكن الأهم هو أن شعب السودان الذي قال رأيه بوضوح في ثورة ديسمبر المجيدة، لن يسمح باستمرار التمكين ولا بحكم مجرمي الحركة الإسلامية. وسبيله في ذلك مهما طال الزمن او قصر، استكمال بناء جبهته القاعدية الموحدة المتمسكة بأهداف ثورة ديسمبر المجيدة، لإسقاط كل هذه المناورات، وفرض إرادته الموجزة في شعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل”. مدنية خيار الشعب.وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!The post تعدد الحراك واستمرار الحرب appeared first on صحيفة مداميك.