الفاشر… حين تسقط الأقنعة وتتكلم التقارير الدولية

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةما جري في الفاشر لم يكن مجرد معركة ضمن حرب عبثية على السلطة، بل تحول إلى فصل دامٍ من فصول الانتهاكات الجسيمة التي ترقى – وفق تقارير دولية مستقلة – إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتحمل سمات الإبادة الجماعية.لقد خلص تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة لـ مجلس حقوق الإنسان إلى أن العنف الذي قادته قوات الدعم السريع في الفاشر يندرج ضمن أخطر الجرائم المنصوص عليها في القانون الدولي. ولم يكن هذا التوصيف معزولاً أو انفعالياً؛ بل جاء مدعوماً بموقف جماعي لوزراء خارجية دول المجموعة الأساسية المعنية بالسودان – ألمانيا، أيرلندا، هولندا، النرويج، والمملكة المتحدة – الذين أعربوا عن استنكارهم العميق، وأعلنوا العمل على تشكيل تحالف دولي لمنع وقوع المزيد من الفظائع.هذه ليست لغة سياسية عابرة. إنها لغة القانون الدولي حين يقترب من توصيف الإبادة.ومع ذلك، لا يزال بعض السودانيين – للأسف – ينتظرون أن تأتي الديمقراطية على ظهر بندقية الدعم السريع. وكأن التاريخ لم يعلمنا أن المليشيات، مهما رفعت من شعارات، لا تنتج دولة قانون، بل تعيد إنتاج منطق القوة والغلبة.لقد ظللنا نقول بوضوح إن طرفي الحرب مجرمان في حق الشعب السوداني، وإن حربهما ليست حرب كرامة وطنية ولا معركة استرداد دولة، بل صراع سلطة مجرّد، تتقاسم فيه النخب العسكرية دماء المدنيين ومقدرات البلاد. غير أن ما جرى في الفاشر يضع قوات الدعم السريع أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية مضاعفة، لأن طبيعة الانتهاكات، واتساع نطاقها، واستهدافها الممنهج للمدنيين، يكشف عن بنية عنف لا يمكن تجميلها بخطاب سياسي.لقد أُتيحت لزعيم الدعم السريع فرصة تاريخية خلال زيارته إلى كمبالا، عاصمة أوغندا، أن يخاطب الشعب السوداني بوضوح. كان يمكنه أن يعترف بأن الحرب – بطبيعتها – تُرتكب فيها تجاوزات، وأن يعلن التزاماً صريحاً بالمحاسبة، وأن يعتذر للضحايا، أو على الأقل أن يفتح باباً جدياً لتحقيق مستقل. كان يمكنه أن يفند الاتهامات بالأدلة، لا بالشعارات. لكنه اختار خطاباً فضفاضاً، خالياً من المضمون، أقرب إلى إعادة تموضع سياسي منه إلى مواجهة صادقة مع الحقيقة.من قاد مليشيا متهمة بارتكاب فظائع لا يستطيع أن يتحول فجأة إلى رسول سلام بمجرد تغيير نبرة الخطاب. الشرعية السياسية لا تُكتسب عبر المؤتمرات ولا عبر صور الوساطات الإقليمية، بل عبر موقف أخلاقي واضح: إيقاف الانتهاكات، القبول بالمحاسبة، والاعتراف بحق الضحايا في العدالة.وفي المقابل، لا يمكن إعفاء سلطة الأمر الواقع في بورتسودان من مسؤوليتها. فهي الأخرى أدارت الحرب بعقلية الغلبة، وضيّقت على المسارات السياسية، وناورت في ملف الوساطات، رافضة الحلول علناً، وباحثة عنها سراً حين يشتد الضغط الدولي. كلا الطرفين يتعامل مع السلام كورقة تكتيكية، لا كخيار أخلاقي ملزم.المأساة أن الشعب السوداني عالق بين خطابين زائفين: خطاب مليشيا تحاول إعادة تلميع صورتها، وخطاب سلطة ترفع شعار الدولة بينما تفشل في حمايتها. وبين هذا وذاك، تتسع المقابر في دارفور، ويُحاصر المدنيون في الفاشر، وتتحول المعاناة اليومية إلى رقم في تقرير.إن ما كشفته بعثة تقصي الحقائق ليس مجرد إدانة لقوة عسكرية، بل اختبار أخلاقي للسودانيين جميعاً. فلا ديمقراطية تُولد من رحم مليشيا، ولا دولة تُبنى فوق أنقاض قرى محروقة. العدالة ليست انتقائية، والمحاسبة ليست شعاراً يُرفع ضد خصم ويُسقط عن حليف.في حرب السودان، لم تعد المشكلة في غياب المبادرات، بل في غياب الصدق. وحين يصبح السلام أداة للمناورة، وتتحول دماء المدنيين إلى أوراق ضغط، فإن النتيجة واحدة: إطالة أمد الحرب، وتعميق المأساة، وخذلان وطن يستحق نهاية حقيقية لهذا العبث.لقد أثبتت الشهور الدامية أن الرهان على الحسم العسكري كان وهماً مكلفاً. لا الجيش استطاع أن يستعيد دولة منهارة بالقوة، ولا الدعم السريع تمكن من فرض أمر واقع يمنحه شرعية. كلاهما عجز عن تقديم مشروع وطني جامع، وكلاهما أثبت أن السلاح يصلح لتمزيق البلاد لا لبنائها. ومن ثم فإن الطريق الوحيد المتبقي أمام السودان هو العودة الصريحة إلى الحياة المدنية الديمقراطية: سلطة مدنية كاملة غير خاضعة لوصاية البندقية، جيش مهني موحد تحت إمرة حكومة منتخبة، حل المليشيات ونزع سلاحها ودمج المؤهل منها وفق معايير وطنية، وإطلاق عملية انتقالية حقيقية تقوم على العدالة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.إن أي تسوية تُبقي السلاح فوق السياسة لن تكون سوى هدنة مؤقتة تمهد لحرب أخرى. أما السلام المستدام فلا يولد إلا من عقد اجتماعي جديد، يضع السيادة للشعب، ويؤسس لدولة قانون ومؤسسات، ويعيد الاعتبار لثورة ديسمبر بوصفها التعبير الأصدق عن إرادة السودانيين في الحرية والسلام والعدالة. لقد فشلت الحرب، وسقطت شعاراتها، ولم يبقَ أمام السودان سوى أن يختار طريق الدولة المدنية الديمقراطية، أو أن يظل أسيراً لدورات عنف لا تنتهي.The post الفاشر… حين تسقط الأقنعة وتتكلم التقارير الدولية appeared first on صحيفة مداميك.