[كالمشي على الطين]

Wait 5 sec.

سرد: يسرا حمزةكنتُ في اخر حلم احملُ فراشاتٍ ميتة داخل كف يدي، وكانت اصابعي ترتجفُ دون برد، وظللتُ امشي من مكانٍ قاتم وغير واضح وبلا رائحة الى بيتنا في الخرطوم وقلتُ لنفسي حالما نعود سأطلي السور بلونٍ اخضر وسأسقي شجرة الحناء، وعندما رأيتُ العصافير ورأتني اصبح كل شيء ملون بلونه الطبيعي، وانقشع كل الضباب، وافتقدُ الغيوم والمطر التي كانت تعبرُ خلال نافذة غرفتي وتتحدثُ معي، وافكر دائماً بالمكان الضيق بين خزانة الملابس والجدار الأزرق وكنتُ في حالاتِ الحزن وعندما اشعرُ بأنني خفيفةً ومنكمشة انحشرُ بها حتى تشدني الأرضُ نحوها مجدداً، واتذكرُ يوم وجدنا دجاجةً ميتة قريباً من بيتكم في الجريف وكانت الديدانُ الكثيرة تغطي جسدها كله، وظللنا نحدقُ بها بصمتٍ حتى اصابنا الغثيان وركضنا الى الداخل ولم نخبر احداً من الكِبار بما رأينا، وقد مرت أعوام طويلة ورغم ذلك تطاردني هذه الذكرى طوال الوقت، واتذكرُ في الأعياد رائحة بسكويت الينسون ببيتكم الذي لم يعُد له وجود، كم كنتُ مطمئنة ومن المُحزن ان كل هذه الأشياء قد انتهت ولن تحدُث مرة أخرى الى الأبد، وربما قد نسيَ ان يطبع الخِتم الاخر على يدي الأخرى، ولكنني لستُ مستاءة، لطالما عرفتُ بأنني سأمشي بين الأشجار وحدي، وكنتُ اراكَ كغزالٍ جميل يختبئُ خلف كل الأشجار والأعشاب ويراقبني دون ان يصدر صوتاً، ولكنني كنتُ مخطئة، وكانت تلك فكرةٌ عنك وحسب، وكانت الأشجارُ دائماً هي النهاية ولا شيء بعدها، وفي الظل كنتَ قلِقاً تربتُ على جيوب قميصك بحثاً عن شيء لم اعرف يوماً ما هو، وقد ارسلتهم بدلاً عنك في الحلم أولاً وكانوا يتحركون خلفي ببطء دون حديث، ومن ثُم بعثتهم خلفي في الواقع وكانوا قريبين ومدوا اياديهم نحوي بغضب، ولم تُدرك بأن قلبي تحول الى طائرٍ معدني وتعبرُ خلالهُ الأنهار والأمواج وكل العواصف دون ان اشعر بشيء، وكنتُ اعلمُ بأن عيناك تكذب لذا اخبرتكَ عن حزنٍ اختلقتهُ ليحميني من أكاذيبك، وافكرُ بالطلاء الأخضر الداكن وبالفراشات الميتة وبالجنود الذين ما زالوا ممدين تحت أشجار الليمون رغم انتهاء الحرب.The post [كالمشي على الطين] appeared first on صحيفة مداميك.