الوجه الغائب لنرد

Wait 5 sec.

قصة :لينة التجانيبابتسامةٍ ساخرةٍ مُحترقة، ردَ على سؤال طُرح في إحدى المجلات النادبة على أوضاع بلاده المتدهورة اقتصاديًا، و رحل كقطرة حبر سوداء سقطت على حافة لوحةٍ متكئة الجانب، تسيل بين الخطوط ببطءِ يناسب صمتها… الأمر الآن متروكٌ لقدميه، أي الوجهات أحب إليهما سيسحب عقله المنطفئ خلفهما بلا تردد.هنا و بين هذه الممرات الناعسة؛ تستند حادثة طريفة لانفجار إحدى شعيرات الكون، و التي خصتنا بالتواءاتها نصيبًا لغويًا و مفردة أصيلة من أرض التضاد القديم، وأنه اشتقاق كل الرماد في حقيقته رماد إلا خلف هذه الأبواب الصدئة؛ نبأ لحكاية مع الريح … هذا الذي يفسر و على استحياء مقدرة المكان على توطين الشواهد واستعداء الذوات القلقة ، كأن تشاطرك ببراءة الشرود على أسوارها؛ وتسرق من عمرك الآتي، أن تسمي عنك الأشياء من موقعها الخفي، تُوصف عنك فيوحى إليك ما لم يكن، أن تهديك فخ الانتماءات؛ لا لشيء، وما أن تقف أمام المرآة؛ ستراقبك؛ لتجد أن الطرقات الممتدة منها فرارًا لا تؤدي إلا رأسًا إليها، وأن كل شرارات المدن الحديثة ورائحة البارود في أقصى حيوات الغرب الأمريكي تمتزجان فيها بنعومة رقصة النار لترسم بعدً أخر … بعدً تسكنه بشدة، ولكنها تثقله وحده – هذه البلاد – كأنها لا تحب أن ينتمي إليها غيره..عَبر دهاليز صمته وهو يراقب خطواته كيف تجاوز بُقع المياه الراكدة بثباتٍ وحكمة وكأن الأمر خارج إرادته، دغدغته هذه البرمجة المتمكنة من باطن عقله مصدرً ضحكة كضخك حمائم الأيك، قطع الطريق برزانة إلى الجهة الأخرى – تمامً من العالم – وكله مُبتل، فالمطر لم يخفق هذه المرة أيضا في مُباغَتته، ولا هو كان مضمر في نيته فعل ذلك، بدأ الأمر برمته مسليٍ وعادل لطرفين، واصل سيره سالكًا طُرقا أطول من أنفاسه المتلاحقة وأغرب عن ذاكرته الضيقة؛ طارقًا أبواب الوجه البعيد للمعنى … صوت القطرات النشطة وهي ترتطم بأشياء شَكلت بحضور الصدى إيقاعً ينسجمُ مع ما تلتقطه عيناه من تفاعل لهذه منازل طينية؛ التي تتكئ ببعضها البعض على استقامة طفولية، وكثيرًا ما تسندها الأرض كلما أضناها تعب الوقوف، أسوارها كأيدي الجدات وهن يجدلن ضفائر الليل الخائر، ونوافذ نبتت على الجدرانِ تروي اتكاءات الزمن العجول، ثمة نملة صغيرة هنا غرست بعض أرجلها في وحل لاهية وهناك طائر أعمى يتتبع انفراطات الرذاذ وهي تعرج مسرعة بين الحصى، وكيف تسحب بداخلها رفاق الانكسارات وغَصة القلب نحو البعيد من الممرات الناعسة الجديدة؛ ثم تتركهم يفترشون ظِلالهم الباردة وما أن تمتد أيدهم لشمس؛ حتى تتخطفهم صغار الأيام .(2)قبل عامين من الآن كانت بضع دقائق تكفي لتوصلني مسكني الكائنِ في الجزء الأخير من مقدمة الحي؛ مع القليل من الثرثرة المتناثرة هنا وهناك، أما الآن وبعد مشروع المدينة العالمية التي أبى المهندسون إلا و إنشاءه بهذه الهيئة فوق رؤوسِنا؛ اضطررت أن أُخيط الشوارع والأزقة ذِهابً إيابً حتى يصل فأرنا الجميل إلى قطعة الجُبن خاصته، يُحكى من بعض النسوة الخارقات في خلق الأحداث وتوقيعها حيث هن وصولً لصالون حلاقتنا أن عددًا من المستثمرين اجتمعوا ذات ليلة غبراء في إحدى النوادي المُضيئة أكثر من اللازم، وبين ما هم منهمكون في بيع ما لا يُباع و شراء ما لا يُشترى؛ سقطت فكرة إزاحة الحيِ في كأس أحدهم وهو مشغول بتعقب الحسناء التي مرت بجانبه، وقد كان …(3)وما بين مدٍ يلقي بأفكاره خارج مساراتها و الجذرٍ يعيد بعضها تاركً الأخريات تطارده، تلمّس جيبي بنطاله بحركة عفوية؛ ثم حشر بعض أصابعه ليعثر على فئتينِ ورقيتان باليتان، ثلاثون جُنيهً؛ أخر ما تبقت له من يوم الحافل …أفردهما بحذر وقال مهرجً: ربما هذا ما يسمونه بالوفاء، فضحكت منه إحداهما متمزقةً لنصفين من فرط بللها، تذكر مقالته المؤجلة وبعد عدة خطوات توقف عند مكتبةٍ صغيرة على زاوية الحي؛ أخذ منها بعض الأوراق البيضاء ومذكرة صغيرة بحجم الكف، عد تكلفتهم وسجل ما عليه في دفتر المكتبة؛ مشيرً فيه توقيت الأخذ و السداد .تأبط مقتنياته ساحبًا لياقة قميصه يمنةً ويُسرى، فاعتدل الجو إكرامًا لهمته؛ و ما لبس الفينة و أختنق متسلقًا الفجأة على مهلٍ، إذ تصلبت الأغصان في عليائها، لم تعد تلامس بعضها ولا النوافذ تلفّظ ما وراءها من ستار، لثانية ومضت مُخيلته وتزينت إدنبرة، ها هو الملك تشارلز الثاني يدخل قصر هوليرود أول مرة، الإيقاع الإسكتلندي يلقي بظلاله على ذاكرة المكان، والكثير من ماهو ممثلً للبلاط الملكي في أبهى صوره، تمازج ناعم بين الاوركسترا الملكية ومزمار القربة على محيا الحشود من وجهاء القوم وهم يزينون أروقة المكان بتنقل سلس؛ ورود تتناثر هنا وهنا، وإذا بقطةٍ شعثاء تشاجر أخرى داخل مكب النفايات تخرجه من الحدث بحركة دراماتيكية.أنها السابعة؛ هامسً بها لنفسه يتعجلها، أشاره بيده محييًا جاره الذي يلقي بجسده النحيل على مقعده الضخم، ويفردُ قدميه الصغيرتين على آخر أقل اعتبارًا، يبدو أن رفيقه ومؤنسه قد أدخله النوم باكرًا كعادته، يليه المستوصف الطبي الذي بدأ أهدأ من ضجيج الزائرين، نصف أضواءه مطفأة ونصفها الأخر تشير لوجوده وقدرته على الخدمة، يقول جدي بابتهاج خبيث أن المستعمر الأول هو من أنشأه وأطلق عليه لفظًا عنيدًا؛ سرعان ما انصهر متشكلًا بين الألسنة لفظًا أخر، كانت ملامحه العاثرة على دليل إدانتهم لجرم خفي تجذبني أكثر مما بين السطور؛ إلى أن انبهتُ متسائلًا ماذا تقصد بالمستعمر الأول فنحن لم يستعمرنا سوى احدهم!؟ وضع يده برفق على كتفي وقال: قد تم تلقينكم نوعًا واحدًا من الاستعمار لذلك ليس بمقدوركم المتصالح ان يستشعر غيره؛ كان رجل مذهلً، واعيً بحكمته كما هذا الطراز المعماري؛ الذي أكسب هذه الأحجار قيمتها من لا شيء؛ ألوانه القاتمة و المتراكمة بعنف يسئ لمتأمليه دائمًا ما يقود ذهني إلى هيئة عمال منجم بنشيهو الصيني في وقته؛ دافئ هذا الارتباط الذي يبسط ساقيه قرب مرآة؛ ليكتسبه هذا التصور؛ ملتحفً أوجاع المرضى الذين احتضنهم وما زال؛ يحتفظ بأناتهم سابحة في فضاء إنارته، و هنالك شخص أخر يحمل بيده اليسرى إبريق شاي كهئته؛ ويسحب بالأخرى مقعدً غريب الشكل، ربما اعتياد كما الكل هنا متابعة النشرة الإخبارية وابتلاع تفاصيلها الغبية ببعض الشاي و شتائم… وبينما عنياه ترصد التحركات أمامه؛ لكزه صراخ الأطفال من حوله، وهم يركضون في كل الاتجاهات كالخبر السار .اتكأه على ابتسامة صغيرة عندما ما اصطدمت عيناه بنافذة بيته؛ بدأت له كطفلة تضرب كفيها وتصرخ طربًا لرؤية والدها؛ ذابت ذاته المتعبة في قدرتها على الشعور بكل شيء؛ نبضات متفرقة تطرق جلده بعنف؛ قدماه منهكتان أكثر أي جزء أخر في جسده، وفي محاولة أخيرة للوصول؛ أزلق أصابعه النحيلة في شق بارد على الحائط سحب مفتاحه؛ ليتطاير الرماد من رأسه؛ أعاد يده و مجددًا تطاير الرماد أكثر، وكأن لعنة وقعت هنا؛ صوتً كصوته من خلف الباب يدعوه للهروب كلما اقترب من الهالة التي تحيط بالمفتاح المعتلي فوهة الوعبة؛ أدرك متأخرًا و هو في قبضة التضاد منه؛ لما لم تغرِهِ يومًا فكرة البِساط والعتبة لإخفاء المفاتيح بقدر ما كانت تلاحقه فكرة إخفاء هذا الباب كله، أن يطوي كل هذه البعثرة في معنىً ويتكآن تحت ظلٍ ثابت .2025-5-25الصورة البارزة لوحة الروسي جاولينسكيThe post الوجه الغائب لنرد appeared first on صحيفة مداميك.