كشفت دراسة جديدة أن نقوشا قديمة كان يعتقد سابقا أنها مجرد زخارف، قد تكون في الواقع محاولات مبكرة من البشر لتسجيل المعلومات. ويشير تحليل إحصائي إلى أن هذه الرموز تمتلك تعقيدا مشابها للكتابة المسمارية البدائية، ما يدفع تاريخ أنظمة شبيهة بالكتابة إلى الوراء أكثر من 40 ألف عام. 40,000-year-old Stone Age symbols may have paved the way for writing, long before Mesopotamia https://t.co/fni7y2mBi1 via @physorg_com— Chris Stringer (@ChrisStringer65) February 23, 2026 وقبل أكثر من 40 ألف عام، كان البشر الأوائل ينقشون علامات على الأدوات والتماثيل والأشياء الأخرى. وقد عثر علماء الآثار في منطقة جبال الألب السوابية جنوب غرب ألمانيا، على تماثيل صغيرة وأدوات تحمل نقوشا غريبة: خطوط، شقوق، نقاط، وصلبان. Staatliche Museen zu Berlin, Vorderasiatisches Museum / Olaf M. Tesmer, CC-BY-SA 4.0 Staatliche Museen zu Berlin, Vorderasiatisches Museum / Olaf M. Tesmer, CC-BY-SA 4.0 ومن أبرز هذه الاكتشافات تمثال صغير لماموث منحوت من ناب فيل، ومحفور بصفوف من الصلبان والنقاط، ولوح من العاج يصور مخلوقا يجمع بين الإنسان والأسد ومزين بخطوط من النقاط، إضافة إلى تمثال "رجل الأسد" الشهير الذي يحمل شقوقا متساوية على ذراعه.ودرس البروفيسور كريستيان بينتز من جامعة سارلاند الألمانية، وعالمة الآثار إيفا دوتكيويتش من متحف برلين، أكثر من 3000 علامة منقوشة على 260 قطعة أثرية. واكتشفا أن هذه العلامات لم تكن عشوائية، بل كانت منظمة ومتكررة بشكل مقصود.ويقول بينتز: "هذه العلامات هي سلف مبكر للكتابة. البشر استخدموها لتخزين المعلومات أو نقلها". ويؤكد العالمان أن سكان العصر الحجري القديم كانوا حرفيين ماهرين، والأدلة تشير إلى أنهم كانوا يحملون هذه القطع الأثرية معهم باستمرار، حيث تناسب معظمها راحة اليد، ما يؤكد أهميتها لديهم. تشابه مذهل مع أقدم كتابة معروفةالمفاجأة الكبرى كانت عندما قارن العلماء هذه النقوش القديمة بالكتابة المسمارية البدائية، وهي أقدم نظام كتابة معروف ظهر في بلاد ما بين النهرين نحو 3000 قبل الميلاد.ووجدوا أن النقوش القديمة والكتابة المسمارية تتشابهان في مستوى التعقيد وكثافة المعلومات. ويوضح بينتز: "بسبب معدل التكرار المرتفع والقدرة العالية على التنبؤ بالعلامة التالية، تمكنا من إثبات أن كثافة المعلومات في نقوش العصر الحجري القديم مماثلة لتلك الموجودة في الكتابة المسمارية البدائية".ويضيف: "كلما درسنا أكثر، اتضح أن الكتابة المسمارية البدائية المبكرة تشبه إلى حد كبير نقوش العصر الحجري القديم الأقدم بكثير، رغم الفارق الزمني الكبير بينهما".واستخدم الباحثون أساليب متطورة لدراسة هذه النقوش، حيث قاموا برقمنة تسلسلات العلامات في قاعدة بيانات وحللوها باستخدام أدوات من اللغويات الكمية، بما في ذلك النمذجة الإحصائية وخوارزميات تصنيف التعلم الآلي. وقاسوا مدى تكرار العلامات ومدى إمكانية توقع العلامة التالية، وهي نفس الطرق المستخدمة لدراسة اللغات الحديثة. ويشير بينتز إلى أن هذه الأساليب تساعد في الكشف عن "البصمة الإحصائية" لأنظمة العلامات القديمة.وما يزال العلماء غير متأكدين بالضبط مما كان يسجله إنسان ما قبل التاريخ. لكنهم يعتقدون أن هذه النقوش كانت تستخدم لتنظيم المجموعات الاجتماعية أو تحسين فرص البقاء.وتلاحظ دوتكيويتش أن القطع الأثرية صغيرة الحجم وتناسب راحة اليد، ما يعني أن أصحابها كانوا يحملونها معهم باستمرار، تماما مثل الألواح الطينية القديمة التي كانت تحمل الكتابات الأولى. وتضيف: "هناك العديد من تسلسلات العناوين التي يمكن العثور عليها على القطع الأثرية".وتشير الدراسة إلى أن البشر قبل 40 ألف عام كانوا يمتلكون نفس القدرات العقلية التي نملكها اليوم. والفرق الوحيد هو أن معرفتهم كانت أقل لأنهم عاشوا في وقت مبكر من تاريخ البشرية، قبل تراكم آلاف السنين من الخبرات والاكتشافات.وهذا الاكتشاف يغير نظرتنا لتاريخ تطور الكتابة. فبدلا من أن تظهر الكتابة فجأة قبل 5000 عام، يبدو أن البشر كانوا يطورون أنظمة لتسجيل المعلومات على مدى عشرات الآلاف من السنين. ويؤكد بينتز أن "الكتابة هي مجرد شكل واحد محدد في سلسلة طويلة من أنظمة العلامات. نواصل تطوير أنظمة جديدة لتشفير المعلومات. التشفير هو أيضا أساس أنظمة الكمبيوتر". وتجدر الإشارة إلى أن نماذج اللغات الكبيرة في الذكاء الاصطناعي تعتمد على إمكانية التنبؤ بتسلسلات اللغة، وهي نفس المبدأ الذي استخدمه البشر القدماء في نقوشهم.الدراسة نشرت في مجلة PNAS المرموقة، وتعتبر خطوة مهمة في فهم كيف تطورت قدرة البشر على تخزين المعلومات ومشاركتها، وهي القدرة التي قادت في النهاية إلى اختراع الكتابة ثم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي الذي نستخدمه اليوم.المصدر: scitechdaily